باب القراض
أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: [قَالَ الشَّافِعِيُّ]: رحمه الله إذَا دَفَعَ الرَّجُلُ إلَى الرَّجُلِ مَالاً قِرَاضًا فَأَدْخَلَ مَعَهُ رَبُّ الْمَالِ غُلاَمَهُ وَشَرَطَ الرِّبْحَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُقَارِضِ وَغُلاَمِ رَبِّ الْمَالِ فَكُلُّ مَا مَلَكَ غُلاَمُهُ فَهُوَ مِلْكٌ لَهُ لاَ مِلْكٌ لِغُلاَمِهِ إنَّمَا مِلْكُ الْعَبْدِ شَيْءٌ يُضَافُ إلَيْهِ لاَ مِلْكٌ صَحِيحٌ فَهُوَ كَرَجُلٍ شَرَطَ لَهُ ثُلُثَيْ الرِّبْحِ وَلِلْمُقَارِضِ ثُلُثَهُ.
ما لا يجوز من القراض في العروض
[قَالَ الشَّافِعِيُّ]: رحمه الله: خِلاَفَ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ فِي قَوْلِهِ مِنْ الْبُيُوعِ مَا يَجُوزُ إذَا تَفَاوَتَ أَمَدُهُ وَتَفَاحَشَ، وَإِنْ تَقَارَبَ رَدُّهُ.
[قَالَ الشَّافِعِيُّ]: كُلُّ قِرَاضٍ كَانَ فِي أَصْلِهِ فَاسِدًا فَلِلْمُقَارِضِ الْعَامِلِ فِيهِ أَجْرُ مِثْلِهِ وَلِرَبِّ الْمَالِ الْمَالُ وَرِبْحُهُ؛ لِأَنَّا إذَا أَفْسَدْنَا الْقِرَاضَ فَلاَ يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ إجَارَةَ قِرَاضٍ وَالْقِرَاضُ غَيْرُ مَعْلُومٍ، وَقَدْ (نَهَى النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنْ الْإِجَارَةِ إلَّا بِأَمْرٍ مَعْلُومٍ).
[قَالَ الشَّافِعِيُّ]: وَالْبُيُوعُ وَجْهَانِ: حَلاَلٌ لاَ يُرَدُّ، وَحَرَامٌ يُرَدُّ. وَسَوَاءٌ تَفَاحَشَ رَدُّهُ، أَوْ تَبَاعَدَ وَالتَّحْرِيمُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: خَبَرٌ لاَزِمٌ، وَالْآخَرُ: قِيَاسٌ. وَكُلُّ مَا قِسْنَاهُ حَلاَلاً حَكَمْنَا لَهُ حُكْمَ الْحَلاَلِ فِي كُلِّ حَالاَتِهِ وَكُلُّ مَا قِسْنَاهُ حَرَامًا حَكَمْنَا لَهُ حُكْمَ الْحَرَامِ فَلاَ يَجُوزُ أَنْ نَرُدَّ شَيْئًا حَرَّمْنَاهُ قِيَاسًا مِنْ سَاعَتِهِ أَوْ يَوْمِهِ، وَلاَ نَرُدَّهُ بَعْدَ مِائَةِ سَنَةٍ الْحَرَامُ لاَ يَكُونُ حَلاَلاً بِطُولِ السِّنِينَ، وَإِنَّمَا يَكُونُ حَرَامًا وَحَلاَلاً بِالْعَقْدِ.
الشرط في القراض
[قَالَ الشَّافِعِيُّ]: رحمه الله: لاَ يَجُوزُ أَنْ أُقَارِضَك بِالشَّيْءِ جُزَافًا لاَ أَعْرِفُهُ، وَلاَ تَعْرِفُهُ فَلَمَّا كَانَ هَكَذَا لَمْ يَحُزْ أَنْ أُقَارِضَك إلَى مُدَّةٍ مِنْ الْمُدَدِ. وَذَلِكَ أَنِّي لَوْ دَفَعْت إلَيْك أَلْفَ دِرْهَمٍ عَلَى أَنْ تَعْمَلَ بِهَا سَنَةً فَبِعْت بِهَا وَاشْتَرَيْت فِي شَهْرٍ بَيْعًا فَرَبِحَتْ أَلْفَ دِرْهَمٍ، ثُمَّ اشْتَرَيْت بِهَا كُنْت قَدْ اشْتَرَيْت بِمَالِي وَمَالِك غَيْرَ مُفَرِّقٍ، وَلَعَلِّي لاَ أَرْضَى بِشَرِكَتِك فِيهِ وَاشْتَرَيْت بِرَأْسِ مَالٍ لِي لاَ أَعْرِفُهُ لَعَلِّي لَوْ نَضَّ لِي لَمْ آمَنْك عَلَيْهِ، أَوْ لاَ أُرِيدُ أَنْ يَغِيبَ عَنِّي كُلَّهُ فَيَجْمَعَ أَنْ يَكُونَ الْقِرَاضُ مَجْهُولاً عِنْدِي؛ لِأَنِّي لَمْ أَعْرِفْ كَمْ رَأْسُ مَالِي وَنَحْنُ لَمْ نُجِزْهُ بِجُزَافٍ وَيَجْمَعَ أَنَّهُ يَزِيدُ عَلَى الْجُزَافِ أَنِّي قَدْ رَضِيت بِالْجُزَافِ، وَلَمْ أَرْضَ بِأَنْ أُقَارِضَك بِهَذَا الَّذِي لَمْ أَعْرِفْهُ.
وفي باب الصدقة والهبة من اختلاف العراقيين
وَإِذَا وَهَبَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ الْهِبَةَ وَقَبَضَهَا دَارًا، أَوْ أَرْضًا ثُمَّ عَوَّضَهُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْهَا عِوَضًا وَقَبَضَ الْوَاهِبُ، فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ رحمه الله كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ جَائِزٌ، وَلاَ تَكُونُ فِيهِ شُفْعَةٌ وَبِهِ يَأْخُذُ وَلَيْسَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الشِّرَاءِ وَكَانَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى يَقُولُ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الشِّرَاءِ وَيَأْخُذُ الشَّفِيعُ بِالشُّفْعَةِ بِقِيمَةِ الْعِوَضِ، وَلاَ يَسْتَطِيعُ الْوَاهِبُ أَنْ يَرْجِعَ فِي الْهِبَةِ بَعْدَ الْعِوَضِ فِي قَوْلِهِمَا جَمِيعًا.
[قَالَ الشَّافِعِيُّ]: وَإِذَا وَهَبَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ شِقْصًا مِنْ دَارٍ فَقَبَضَهُ ثُمَّ عَوَّضَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ شَيْئًا فَقَبَضَهُ الْوَاهِبُ سُئِلَ الْوَاهِبُ فَإِنْ قَالَ: وَهَبْتهَا لِلثَّوَابِ كَانَ فِيهَا شُفْعَةٌ، وَإِنْ قَالَ وَهَبْتهَا لِغَيْرِ ثَوَابٍ لَمْ يَكُنْ فِيهَا شُفْعَةٌ وَكَانَتْ الْمُكَافَأَةُ كَابْتِدَاءِ الْهِبَةِ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي قَوْلِ مَنْ قَالَ: لِلْوَاهِبِ الثَّوَابُ إذَا قَالَ أَرَدْته، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: لاَ ثَوَابَ لِلْوَاهِبِ إنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ فِي الْهِبَةِ فَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ فِي شَيْءٍ وَهَبَهُ، وَلاَ الثَّوَابُ مِنْهُ [قَالَ الرَّبِيعُ]: وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ إذَا وَهَبَ وَاشْتَرَطَ الثَّوَابَ فَالْهِبَةُ بَاطِلَةٌ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ اشْتَرَطَ عِوَضًا مَجْهُولاً، وَإِذَا وَهَبَ لِغَيْرِ الثَّوَابِ وَقَبَضَهُ الْمَوْهُوبُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي شَيْءٍ وَهَبَهُ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيُّ رحمه الله.
السلف في القراض
[قَالَ الشَّافِعِيُّ]: رحمه الله: وَإِذَا دَفَعَ الرَّجُلُ إلَى الرَّجُلِ مَالاً قِرَاضًا وَأَبْضَعَ مِنْهُ بِضَاعَةً فَإِنْ كَانَ عَقَدَ الْقِرَاضَ عَلَى أَنَّهُ يَحْمِلُ لَهُ الْبِضَاعَةَ فَالْقِرَاضُ فَاسِدٌ يُفْسَخُ إنْ لَمْ يَعْمَلْ فِيهِ فَإِنْ عَمِلَ فِيهِ فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ وَالرِّبْحُ لِصَاحِبِ الْمَالِ، وَإِنْ كَانَا تَقَارَضَا، وَلَمْ يَشْرِطَا مِنْ هَذَا شَيْئًا ثُمَّ حَمَلَ الْمُقَارِضُ لَهُ بِضَاعَةً فَالْقِرَاضُ جَائِزٌ، وَلاَ يُفْسَخُ بِحَالٍ غَيْرَ أَنَّا نَأْمُرُهُمَا فِي الْفُتْيَا أَنْ لاَ يَفْعَلاَ هَذَا عَلَى عَادَةٍ، وَلاَ لِعِلَّةٍ مِمَّا اُعْتُلَّ بِهِ، وَلَوْ عَادَا لِمَا ذَكَرْنَا كَرِهْنَاهُ لَهُمَا، وَلَمْ نُفْسِدْ بِهِ الْقِرَاضَ، وَلاَ نُفْسِدُ الْعَقْدَ الَّذِي يَحِلُّ بِشَيْءٍ تَطَوُّعًا بِهِ، وَقَدْ مَضَتْ مُدَّةُ الْعُقْدَةِ، وَلاَ نُطْرِ إنَّمَا تَفْسُدُ بِمَا عُقِدَتْ عَلَيْهِ إلَّا بِمَا حَدَثَ بَعْدَهَا.
[قَالَ الشَّافِعِيُّ]: أَكْرَهُ مِنْهُ مَا كَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يَأْخُذَ الرَّجُلُ مَالاً قِرَاضًا ثُمَّ يَسْأَلَ صَاحِبَ الْمَالِ أَنْ يُسْلِفَهُ إيَّاهُ.
[قَالَ الشَّافِعِيُّ]: وَإِنَّمَا كَرِهْته مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ لَمْ يَبْرَأْ الْمُقَارِضُ مِنْ ضَمَانِهِ، وَلَمْ يَعْرِفْ الْمُسْلِفُ كَمْ أَسْلَفَ مِنْ أَجْلِ الْخَوْفِ.
المحاسبة في القراض
[قَالَ الشَّافِعِيُّ]: رحمه الله: وَهَذَا كُلُّهُ كَمَا قَالَ مَالِكٌ إلَّا قَوْلَهُ يُحْضِرُ الْمَالَ حَتَّى يُحَاسِبَهُ فَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ صَادِقًا فَلاَ يَضُرُّهُ يُحْضِرُ الْمَالَ، أَوْ لاَ يُحْضِرُهُ.
مسألة البضاعة
[أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ] قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ رحمه الله: قَالَ إذَا أَبْضَعَ الرَّجُلُ مَعَ الرَّجُلِ بِبِضَاعَةٍ وَتَعَدَّى فَاشْتَرَى بِهَا شَيْئًا فَإِنْ هَلَكَتْ فَهُوَ ضَامِنٌ، وَإِنْ وَضَعَ فِيهَا فَهُوَ ضَامِنٌ، وَإِنْ رَبِحَ فَالرِّبْحُ لِصَاحِبِ الْمَالِ كُلُّهُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ تَرْكَهُ، فَإِنْ وَجَدَ فِي يَدِهِ السِّلْعَةَ الَّتِي اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ فَهُوَ بِالْخِيَارِ فِي أَنْ يَأْخُذَ رَأْسَ مَالِهِ، أَوْ السِّلْعَةَ الَّتِي مُلِكَتْ بِمَالِهِ، فَإِنْ هَلَكَتْ تِلْكَ السِّلْعَةُ قَبْلَ أَنْ يَخْتَارَ أَحَدَهُمَا لَمْ يَضْمَنْ لَهُ إلَّا رَأْسَ الْمَالِ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ لَمْ يَخْتَرْ أَنْ يَمْلِكَهَا فَهُوَ لاَ يَمْلِكُهَا إلَّا بِاخْتِيَارِهِ أَنْ يَمْلِكَهَا. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْهِ أَنَّهُ إذَا تَعَدَّى فَاشْتَرَى شَيْئًا بِالْمَالِ بِعَيْنِهِ فَرَبِحَ فِيهِ فَالشِّرَاءُ بَاطِلٌ وَالْبَيْعُ مَرْدُودٌ، وَإِنْ اشْتَرَى بِمَالٍ لاَ بِعَيْنِهِ ثُمَّ نَقَدَ الْمَالَ فَهُوَ مُتَّحِدٌ بِالنَّقْدِ، وَالرِّبْحُ لَهُ وَالْخَسْرَانُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ مِثْلُ الْمَالِ الَّذِي تَعَدَّى فِيهِ فَنَقَدَهُ وَلِصَاحِبِ الْمَالِ إنْ وَجَدَهُ فِي يَدِ الْبَائِعِ أَنْ يَأْخُذَهُ فَإِنْ تَلِفَ الْمَالُ فَصَاحِبُ الْمَالِ مُخَيَّرٌ إنْ أَحَبَّ أَخَذَهُ مِنْ الدَّافِعِ، وَهُوَ الْمُقَارِضُ، وَإِنْ أَحَبَّ أَخَذَهُ مِنْ الَّذِي تَلِفَ فِي يَدِهِ، وَهُوَ الْبَائِعُ.