161 إسماعيل بن عبد الواحد أبو هاشم الربعى المقدسى
ولى قضاء مصر نحوا من شهرين فى سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة ثم أصابه فالج فتحول إلى الرملة ومات بها سنة خمس وعشرين وثلاثمائة
162 إسماعيل بن نجيد بن أحمد بن يوسف بن خالد أبو عمرو بن نجيد السلمى النيسابورى
الزاهد العابد شيخ الصوفية
قال فيه الحاكم الشيخ العابد الزاهد شيخ عصره فى التصوف والعبادة والمعاملة وأسند من بقى بخراسان فى الرواية
ورث من آبائه أموالا جزيلة فأنفقها على العلماء ومشايخ الزهد
وصحب من أئمة الحقائق الشيخ الجنيد وأبا عثمان الحيرى وغيرهما
وسمع من إبراهيم بن أبى طالب ومحمد بن إبراهيم البوشنجى وأبى مسلم الكجي وعبد الله بن أحمد ابن حنبل ومحمد بن أيوب الرازى وعلى بن الحسين بن الجنيد وغيرهم
روى عنه سبطة أبو عبد الرحمن السلمى وأبو عبد الله الحاكم وأبو نصر أحمد بن عبد الرحمن الصفار وعبد القاهر بن طاهر الفقيه وصاعد بن محمد القاضى وطائفة آخرهم أبو حفص عمر بن مسرور
وعن أبى عثمان الحيرى أنه قال وخرج من عنده ابن نجيد يلومنى الناس فى هذا الفتى وأنا لا أعرف على طريقته سواه
وعنه أنه قال أبو عمرو خلفى من بعدى
وكان يقال أبو عمرو من أوتاد الأرض
وذكر الحاكم أنه سمع أبا سعيد بن أبى بكر بن أبى عثمان يذكر أن جده أبا عثمان طلب شيئا لبعض الثغور فتأخر عنه فضاق صدره وبكى على رءوس الناس فأتاه أبو عمرو ابن نجيد بعد العتمة بكيس فيه ألفا درهم ففرح به أبو عثمان ودعا له ولما جلس فى مجلسه قال يا أيها الناس لقد رجوت لأبى عمرو فإنه ناب عن الجماعة فى ذلك الأمر وحمل كذا وكذا فجزاه الله عنى خيرا فقام أبو عمرو على رءوس الأشهاد وقال إنما حملت ذلك من مال أمى وهى غير راضية فينبغى أن ترده على لأرده عليها فأمر أبو عثمان بذلك الكيس فأخرج إليه وتفرق الناس فلما جن الليل جاء إلى أبى عثمان فى مثل ذلك الوقت وقال يمكن أن تجعل هذا فى مثل ذلك الوجه من حيث لا يعلم به غيرنا فبكى أبو عثمان وكان بعد ذلك يقول أنا أخشى من همة أبى عمرو
توفى ابن نجيد فى شهر ربيع الأول سنة خمس وستين وثلاثمائة وهو ابن ثلاث وتسعين سنة بنيسابور
ومن الفوائد عنه
قال أبو عبد الرحمن السلمى لجدى طريقة ينفرد بها من صور الحال وتلبيسه
قلت كأن طريقة كان ينحو نحو طريقة الملامتية الذين يكتمون الأعمال ويظهرون خلافها ويدل على ذلك ما قدمناه من حكايته فى الألفى درهم مع أبى عثمان ولكنه لا يوافقهم من كل وجه بل هو أعلا قدما منها فإن تلك الطريقة عند الأقوياء ضعيفة يعتمدها من يخشى على نفسه
قال أبو عبد الرحمن سمعت جدى يقول لا يصفو لأحد قدم فى العبودية حتى تكون أفعاله عنده كلها رياء وأحواله كلها عنده دعاوى
قلت وهذا من الطراز الأول
قال وسمعته يقول من قدر على إسقاط جاهه عند الخلق سهل عليه الإعراض عن الدنيا وأهلها
163 بندار بن الحسين بن محمد بن المهلب الشيرازى أبو الحسين الصوفى
خادم الشيخ أبى الحسن الأشعرى
سكن أرجان
قال السلمى كان عالما بالأصول له اللسان المشهور فى علم الحقيقة
كان الشبلى يكرمه ويقدمه
وبينه وبين محمد بن خفيف مفاوضات فى مسائل رد على محمد بن خفيف فى مسألة الإغانة وغيرها حين رد ابن خفيف على أقاويل المشايخ فصوب بندار أقاويل المشايخ
وقال الخطيب كان بندار من أهل الفضل المتميزين بالمعرفة والعلم ولم يكتب له مسندا غير حديث واحد
مات سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة
ومن كلامه
من مشى فى الظلمة إلى ذى النعم أجلسه على بساط الكرم ومن قطع لسانه بشفرة السكوت بنى له بيت فى الملكوت ومن واصل أهل الجهالة ألبس ثوب البطالة ومن أكثر ذكر الله شغله عن ذكر الناس ومن هرب الذنوب هرب به من النار ومن رجا شيئا طلبه
أخبرنا محمد بن إسماعيل إذنا خاصا أخبرنا المسلم بن محمد بن علان كتابة أخبرنا أبو اليمن أخبرنا أبو مسعود أخبرنا الخطيب أخبرنا أبو سعد المالينى أخبرنا أبو أحمد عبد الله بن عمر البكرى حدثنا بندار بن الحسين حدثنا إبراهيم بن عبد الصمد حدثنا الحسين بن الحسن عن عبد الرحمن بن مهدى حدثنا زهير بن محمد موسى بن وردان عن أبى هريرة قال قال رسول الله ( المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخال )
164 أبو بكر المحمودى
الإمام الجليل أحد الرفعاء من أصحاب الوجوه
ذكره العبادى فى طبقة أبى على الثقفى وأنا أحسبه تفقه على أبى إسحاق المروزى تفقه الكبير على الأكبر فمن تلامذة أبى إسحاق من كان يتلمذ بين يدى أبى بكر الا ترى قول الشيخ أبى زيد المروزى وقد قال فى مريض أعتق عبدا لا مال له سواه فمات قبل السيد إنه يموت رقيقا كله أجبت به فى مجلس الشيخ أبى بكر المحمودى فرضيه وحمدنى عليه ذكر الرافعى أن هذا يؤثر عن الشيخ أبى زيد المروزى
165 حسان بن محمد بن أحمد بن هارون بن حسان بن عبد الله بن عبد الرحمن ابن عنبسة بن سعيد بن العاص القرشى الأموى الإمام الجليل أحد أئمة الدنيا أبو الوليد النيسابورى
تلميذ أبي العباس بن سريج
ولد بعد السبعين ومائتين
وسمع أحمد بن الحسن الصوفى وغيره ببغداد
ومحمد بن إبراهيم البوشنجى ومحمد بن نعيم بنيسابور
والحسن بن سفيان بنسا وغيرهم
حدث عنه القاضى أبو بكر الحيرى والإمام أبو طاهر بن محمش الزيادى والحاكم أبو عبد الله وأبو الفضل أحمد بن محمد السلهى الصفار وغيرهم
قال الحاكم كان إمام أهل الحديث بخراسان وأزهد من رأيت من العلماء وأعبدهم وأكثرهم تقشفا ولزوما لمدرسته وبيته وله كتاب المستخرج على صحيح مسلم
قال الحاكم أرانا أبو الوليد نقش خاتمه الله ثقة حسان بن محمد وقال أرانا عبد الملك بن محمد بن عدى نقش خاتمه الله ثقة عبد الملك بن محمد وقال أرانا الربيع نقش خاتمه الله ثقة الربيع بن سليمان وقال كان نقش خاتم الشافعى رضى الله عنه الله ثقة محمد بن إدريس
قال الحاكم وسمعته فى مرضه الذى مات فيه يقول قالت لى والدتى كنت حاملا بك وكان للعباس بن حمزة مجلس فاستأذنت أباك أن أحضر مجلسه فى أيام العشر فأذن لى فلما كان آخر المجلس قال العباس بن حمزة قوموا فقاموا وقمت معهم فأخذ العباس يدعو فقلت اللهم هب لى ابنا عالما فرجعت إلى المنزل فبت تلك الليلة فرأيت فيما يرى النائم كأن رجلا أتانى فقال أبشرى فإن الله قد استجاب دعوتك ووهب ولدا ذكرا وجعله عالما ويعيش كما عاش أبوك
قلت وكان أبى عاش اثنتين وسبعين سنة
قال الأستاذ وهذه قد تمت لى اثنتان وسبعون سنة
قال الحاكم فعاش الأستاذ بعد الحكاية أربعة أيام
قال الحاكم ودخلت عليه بعد صلاة العشاء من ليلة الجمعة وهو قاعد فأشار إلى بيده أن انصرف فقد أمسيت فلم أنصرف إلى أن صليت صلاة العتمة فى منزله فقال خرج على من يحمل جنازتى إلى الميقات فانصرفت فمات تلك الليلة وقت السحر
قال وسمعت أحمد بن عمر الزاهد يقول رأيت الأستاذ أبا الوليد فى المنام فسألته عن حاله فقال قابلت أو عارضت جميع ما قلت فكنت أخطأت فى عشرين أو أحد وعشرين الشك من الرائى
قال وسمعت أبا الحسن عبد الله بن محمد الفقيه يقول ما وقعت فى ورطة قط ولا وقع لى أمر مهم فقصدت قبر أبى الوليد وتوسلت به إلى الله تعالى إلا استجاب الله لى
قال وسمعت أبا سعيد الأديب يقول سألت أبا على الثقفى فى مرضه الذى مات فيه من نسأل بعدك فى الحلال والحرام فقال أبو الوليد
توفى الأستاذ أبو الوليد ليلة الجمعة خامس شهر ربيع الأول سنة تسع وأربعين وثلاثمائة بنيسابور
ومن الفوائد والمسائل عن أبى الوليد رحمه الله
قال الحاكم سمعت أبا الوليد يقول وسألته أيها الأستاذ قد صح عندنا حديث الثورى عن أبى إسحاق عن الأسود عن عائشة رضى الله عنها أن رسول الله كان ينام وهو جنب ولا يمس ماء وكذا صح حديث نافع وعبد الله
7. ابن عمر أن عمر رضى الله عنه قال يارسول الله أينام أحدنا وهو جنب قال نعم إذا توضأ فقال لى أبو الوليد سألت ابن سريج عن الحديثين فقال الحكم بهما جميعا أما حديث عائشة فإنما أرادت أن النبى كان لا يمس ماء للغسل وأما حديث عمر فمفسر فيه ذكر الوضوء وبه نأخذ
قال الحاكم وسمعت أبا الوليد يحتج فى رفع اليدين فقال إن للصلاة أفعالا كل فعل منها أوله منوط بذكر فينبغى أن يكون آخره كذلك فإذا كان القيام الذى هو للصلاة وابتداؤه بذكر منوط بهيئة وهى رفع اليدين فكذلك آخر قيامه والخروج منه لابد أن يأتى بذكر والهيئة مقرونة به ولئن جاز أن يسقط عن آخره جاز أن يسقط عن أوله فرفع بلا ذكر كما ركع بلا هيئة رفع
166 الحسن بن أحمد بن يزيد بن عيسى بن الفضل بن بشار بن عبد الحميد ابن عبد الله بن هانئ بن قبيصة بن عمرو بن عامر الإمام الجليل أبو سعيد الإصطخرى
قال قم أحد الرفعاء من أصحاب الوجوه
سمع سعدان بن نصر وأحمد بن منصور الرمادى وعباس بن محمد الدورى وحنبل ابن إسحاق وحفص بن عمرو الربالى ومحمد بن عبد الله بن نوفل وغيرهم
روى عنه ابن المظفر وابن شاهين وأبو الحسن بن نوفل الجندي والدارقطنى وغيرهم
مولده سنة أربع وأربعين ومائتين
قال الخطيب كان أحد الأئمة المذكورين ومن شيوخ الفقهاء الشافعيين وكان ورعا زاهدا متقللا
قال وحدثنى أبو الطيب قال حكى لى عن الداركى أنه قال سمعت أبا إسحاق المروزى يقول لما دخلت بغداد لم يكن بها من يستحق أن أدرس عليه إلا أبو سعيد الإصطخرى وأبو العباس ابن سريج
قال القاضى أبو الطيب وهذا يدل على أن أبا على بن خيران لم يكن يقاس بهما
قال أبو إسحاق المروزى سئل يوما أبو سعيد عن المتوفى عنها زوجها إذا كانت حاملا هل تجب لها النفقة فقال نعم فقيل له ليس هذا من مذهب الشافعى
فلم يصدق فأروه كتابه فلم يرجع وقال إن لم يكن مذهبه فهو مذهب على وابن عباس
قال أبو إسحاق فحضر يوما مجلس النظر مع أبى العباس بن سريج وتناظرا وجرى بينهما كلام فقال له أبو العباس أنت سئلت عن مسألة فأخطأت فيها وأنت رجل كثرة أكل الباقلا قد ذهب بدماغك فقال أبو سعيد فى الحال وأنت كثرة أكل الخل والمرى قد ذهب بدينك
قال القاضى أبو الطيب وكان من الورع والدين بمكان ويقال كان قميصه وسراويله وطيلسانه من شقة واحدة وكانت فيه حدة وولى حسبة بغداد وكان القاهر الخليفة قد استفتاه فى الصابئين فأفتاه بقتلهم لأنه تبين له أنهم يخالفون اليهود والنصارى وأنهم يعبدون الكواكب فعزم الخليفة على ذلك حتى جمعوا من بينهم مالا كثيرا له قدر فكف عنهم
قال الطبرى وحكى عن الداركى أنه قال ما كان أبو إسحاق المروزى يفتى بحضرة الإصطخرى إلا بإذنه
وقال أبو حفص عمر بن على المطوعى من خبره يعنى الإصطخرى أن المقتدر استقضاه على سجستان فسار إليها ونظر فى مناكحاتهم فأصاب معظمها مبنيا على غير اعتبار الولى فأنكرها غاية الإنكار وأبطلها عن آخرها
قلت ومن أخباره فى قضائه أيضا ما حكاه الرافعى فى العدد أنه أتى بسقط لم تظهر فيه الصورة والتخطيط لكل أحد ولكن قالت القوابل وأهل الخبرة من النساء إن فيه صورة خفية وهى بينة لنا وإن خفيت على غيرنا فلم يحكم بثبوت الاستيلاد وهذا خلاف مذهب الشافعى
قال الرافعى فجاءت القوابل فصببن عليه ماء حارا وغسلنه فظهرت الصورة
قال ابن الرفعة وحكى ابن داود فى شرحه أن أبا على بن خيران عرضت عليه مضغة ألقتها امرأة فدعا بماء حار وصبه عليها فتبينت منها الخطوط فحكم بأنه ولدها
قلت قد كان ابن خيران معاصرا لأبى سعيد وبلديه فلعل أبا سعيد لما لم يصغ إلى كلام القوابل رفعت المسألة إلى ابن خيران فلما تبين الحال رجع أبو سعيد هذا محتمل وتكون الواقعة واحدة
ومن أخباره فى حسبته أنه كان يأتى إلى باب القاضى فإذا لم يجده جالسا يفصل القضايا أمر من يستكشف عنه هل به عذر يمنعه من الجلوس من أكل أو شرب أو حاجة الإنسان ونحو ذلك فإن لم يجد به عذرا أمره بالجلوس للحكم
ومنها أنه أحرق مكان الملاهى من أجل ما يعمل فيه من الملاهى وهذا منه دليل أنه كان يرى جواز إفساد مكان الفساد إذا تعين طريقا
وقيل كانوا يعملون فيه من الملاهى اللعب
وفى الأحكام السلطانية للماوردى قال وذكر الإمام فى النهاية عند الكلام فى الأجير المشترك الإصطخرى وقال إنه كثير الهفوات فى القواعد
وذكر صاحب الكافى فى تاريخ خوارزم فى ترجمة محمد بن أبى سعيد الفراتى أنه قال لما انصرفت من بغداد لقيت أبا سعيد الإصطخرى بهمذان منصرفا من مدينة قم وكان قد ولى قضاءها فحكى لنا أنه مات بها رجل وترك بنتا وعما فتحاكموا إلى فى الميراث فقضيت فيه بحكم الله للبنت النصف والباقى للعم فقال أهل قم لا نرضى بهذا القضاء أعط البنت المال كله فقلت لا يحل هذا فى الشريعة فقالوا لا نتركك هنا قاضيا
قال فكانوا يتسورون دارى بالليل ويحولون الأسرة عن أماكنها وأنا لا أشعر فإذا أصبحت عجبت من ذلك فقال أوليائى إنهم يرونك أنهم إذا قدروا على هذا قدروا على قتلك فخرجت منها هاربا
قال وكان مذهبهم مذهب الغرابية المال كله للبنت وهم قوم من شرار الروافض يذهبون إلى هذه المقالة لأجل فاطمة رضى الله عنها
مات ببغداد فى جمادى الآخرة سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة ودفن بباب حرب
ومن الرواية عن أبى سعيد
أخبرنا أبو سعيد خليل بن كيكلدى الحافظ سماعا فيما أحسب فإن لم يكن فهو إجازة قال أخبرنا القاسم بن المظفر بقراءتى عليه عن عبد اللطيف بن محمد وغيره أخبرنا عبد الحق بن يوسف أخبرنا عمى عبد الرحمن بن أحمد أخبرنا محمد ابن عبد الملك أخبرنا على بن عمر الحافظ حدثنا أبو سعيد الإصطخرى الحسن بن أحمد الفقيه حدثنا محمد بن عبد الله بن نوفل حدثنا أبى حدثنا يونس بن بكير حدثنا ابن إسحاق عن المنهال بن الجراح عن حبيب بن نجيح عن عبادة بن نسى عن معاذ رضى الله عنه أن رسول الله أمره حين وجهه إلى اليمن ألا يأخذ من الكسر شيئا ( إذا كانت الورق مائتى درهم فخذ منها خمسة دراهم ولا تأخذ مما زاد شيئا حتى تبلغ أربعين درهما فإذا بلغت أربعين درهما فخذ منها درهما )
قال الدارقطنى هذا حديث +ضعيف+ والمنهال بن الجراح هو الجراح بن المنهال كان ابن إسحاق يقلب اسمه إذا روى عنه وهو متروك الحديث وعبادة بن نسى لم يسمع من معاذ رضى الله عنه شيئا
ومن المسائل والفوائد والغرائب عنه
قال ينتقض الوضوء بمس الأمرد
وقال إذا ولى القضاء غير مجتهد ووافق حكمه الحق نفذت تلك الحكومة نقله ابن عبدان فى كتاب شرائط الأحكام
وقال إن للأم التصرف فى مال الصبى بعد الجد مقدمة على الوصى
وقيل إنما الثابت عنه أنها تتصرف بعد الوصى حكاه ابن يونس عن بعض المتأخرين
واشتهر قوله إن للحاضر الراكب ترك الاستقبال فى النافلة وأنه كان يفعله وهو على حسبة بغداد واحتج بأن المقيم يحتاج إلى التردد فى حال إقامته كالمسافر
قال الرافعى وعلى هذا فالراكب والراجل سواء ولك الفرق بمشقة الاستقبال على الراكب ثم صورة الراجل منقولة حكى فيها القاضى الحسين وجهين تفريعا على الراكب
ونقل النووى فى شرح المهذب عن الإصطخرى التجويز للراكب والماشى
والمحفوظ عنه إنما هو فى الراكب فقط
قال القاضى شريح فى أدب القضاء إذا شهدا عند القاضى بحق فكتب به القاضى إلى قاض آخر وأشهد الشاهدين اللذين شهدا على المحكوم عليه بالكتاب قال الإصطخرى لا يجوز وقال غيره يجوز وقطع به العبادى لأن القبول فعل القاضى فقبلت عليه شهادته كما تقبل شهادة المرضعة لأنها شهادة على وصول اللبن إلى جوف الصبى
قال الزيادى وعلى هذا أدركت القضاة من غير نكير من العلماء وعليه تفقهت وفقهت الناس ولولاه ما جازت شهادة أب وابن لأجنبى
قلت وعليه العمل إلى اليوم يشهد الشاهدان عند حاكم فيحكم بشهادتهما ويشهدهما على حكمه فيؤديان شهادتهما على حكمه عند آخر فينفذ حكمه بشهادتهما
وقد اقتصر القاضى أبو سعد فى كتاب الإشراف على قول العبادى والشيخ أبى طاهر ومن كتابه أخذ شريح ما نقله عنهما وزاد شريح فقال ولأصحابنا وجه فى الحكم بشهادة أب وابن أنه لا يجوز
قال شريح وإذا وصل كتاب الحكم وشهد الشاهدان على الكتاب فقد قيل يلزم الحاكم المكتوب إليه أن ينفذ حكمه ويقول قبلت حكمه وكتابته وأوجبت على المحكوم ما أوجبه الحاكم فى الكتاب
وعلى هذا لو شهد شاهدان عدلان فهل يحتاج أولا أن يقول قبلت شهادة هؤلاء الشهود بما شهدوا به ثم يقول وحكمت بكذا على فلان بجميع ما أوجبته شهادة الشهود أم يكفيه إن ثبتت عنده عدالة الشهود ثم يقول حكمت بكذا ولا يذكر قبل الحكم أنه قبل شهادة الشهود وجهان
وعلى هذا لو كتب الحاكم إلى حاكم بأنه شهد عندى عدلان لرجل سماه على فلان ولم يذكر فى الكتاب أنه ثبت عنده بشهادتهما ولم يقل قبلت شهادتهما وإنما نقل الشهادة فقط فهل يجوز للمكتوب إليه أن يحكم فيه وجهان
هذا كله كلام شريح فى كتابه فى أدب القضاء ولم أجده بجملته فى غيره وفيه غرائب وفوائد
وسيأتى إن شاء الله فى ترجمة شريح قول الإصطخرى فيمن استأجر رجلا أن يحمل له كتابا إلى آخر ويأتى بجوابه فأوصل الكتاب ولم يكتب المكتوب إليه الجواب أن للحامل الأجرة بكمالها لأنه لا يلزمه أكثر مما عمل والامتناع من غيره
قال وكذا لو مات الرجل فأوصل الكتاب إلى نائبه من وارث أو وصى أجابوه أم لم يجيبوه إلى آخر كلامه
قلت وهى مسألة مليحة غير أن عندنا وقفة فى كتاب مراسلة يحمله أمين متبرع مستأجر فلا يجد المكتوب إليه إما لموته أو لغير ذلك فهل له أن يوصله إلى وارثه أو وصيه أو الحاكم أو أهله ونحو ذلك لقيامهم مقامه أو ليس له ذلك لأن العادة قد تقضى بأن الكاتب لا يعجبه وقوف غير المكت وب عليه على ما كتب وكذلك المكتوب إليه
والذى يقع لى فى هذا أنه إن غلب على ظنه أن فى الكتاب ما يكره الكاتب أو المكتوب إليه وقوف غيرهما عليه لم يجز له أن يدفعه إلى من ذكرناه ودفعه حينئذ خيانة تسقط أجرته بكمالها لو كان مستأجرا
والبلوى تعم بمثل هذا الفرع فليتنبه له فلقد حضر شخص بكتاب إلى آخر وجده غائبا فأوصله إلى من ظنه يقوم مقامه لكونه صاحبا له فأورث ذلك الكتاب فتنة خربت بيت الكاتب والمكتوب إليه فلا ينبغى أن يوصل كتاب مراسلة إلى من يجوز العقل كراهية الكاتب أو المكتوب إليه وقوف غيرهما عليه بل ينبغى أن يكون تحريم ذلك مغلظا
ولقد كتب عم والدى القاضى صدر الدين يحيى وهو على قضاء بلبيس كتابا إلى قاضى القضاة تقى الدين ابن بنت الأعز عندما عزل وولى قاضى القضاة بدر الدين ابن جماعة يسأل عن خاطره وفاء بحقه عليه فاشتبه الأمر على الرسول وأوصل الكتاب إلى ابن جماعة فكان ذلك سبب عزل عم الوالد فى فتنة طويلة لم يكن منشؤها غير اتصال الكتاب إلى من ظن أنه له
وكتب آخر كتابا إلى قاضى القضاة جلال الدين فجاء الرسول فصادفه عزل من مصر وسافر إلى الشام فأوصل الكتاب إلى قاضى القضاة إذ ذاك عز الدين بن جماعة رحمه الله فأوجب عزل الكاتب وسقوطه من عين قاضى القضاة عز الدين ونقصان حظه منه إلى أن ماتا جميعا رحمهما الله
فلا ينبغى أن يكون الرسول إلا حكيما ثم يوصى مع كونه حكيما والواو فى قولهم أرسل حكيما ولا توصه للحال فافهم ما نشير إليه
مسألة صفة توبة القاذف
حمل أبو سعيد الإصطخرى على ظاهر نص الشافعى رضى الله عنه حيث قال فى توبة القاذف والتوبة إكذابه نفسه ففعل فيه نظير ما فعله الظاهرية فى قوله تعالى فى المظاهر {ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا} فقالوا العود باللسان كذلك قال الإصطخرى إن كلام الشافعى على ظاهره وإنه لا تصح توبة القاذف حتى يقول وإنى كاذب فى قذفى له بالزنا
نقله الأصحاب على طبقاتهم منهم صاحب الحاوى فى كتاب الشهادات وذكر أن أبا إسحاق المروزى وابن أبى هريرة خالفاه وقالا إكذاب نفسه أن يقول قذفى له بالزنا كان باطلا ولا يقول كنت كاذبا فى قذفى لجواز أن يكون صادقا فيصير عاصيا بكذبه كما كان عاصيا بقذفه
وقد عبر الرافعى رحمه الله عن هذا فى كتاب الشهادات فى كلامه على التوبة بأن قال لابد من التوبة عن القذف بالقول قال الشافعى فى المختصر والتوبة إكذابه نفسه فأخذ الإصطخرى بظاهره وشرط أن يقول كذبت فيما قذفته ولا أعود إلى مثله وقال الجمهور لا يكلف أن يقول كذبت فربما كان صادقا فكيف نأمره بالكذب ولكن يقول القذف باطل وإنى نادم على ما فعلت ولا أعود إليه أو يقول ما كنت محقا فى قذفى وقد تبت منه وما أشبه ذلك
هذا كلام الرافعى وفيه كلامان
أحدهما أنه نقل عن الإصطخرى أن يشترط أن يقول ولا أعود إلى مثله وهذا لا يعرف عنه ولا هو بمتفق عليه إنما الذى قاله الإصطخرى اشتراط قوله كذبت وخالفه الجمهور ثم هل يحتاج أن يقول فى التوبة ولا أعود إلى مثله فيه وجهان أحدهما لا يحتاج لأن العزم على ترك مثله يغنى عنه والثانى لابد أن يقول لا أعود إلى مثله لأن القول فى هذه التوبة معتبر والعزم ليس بقول هكذا حكى أصحابنا منهم صاحب الحاوى وغيره ولعل الوجهين مفرعان على اشتراط ما يقوله الإصطخرى أو مطلقان فيشترط أن يقول ولا أعود إلى مثله وإن لم يشترط أن يقول كذبت كل هذا محتمل وبالجملة ليست مسألة الإصطخرى مسألة لا أعود إلى مثله بل تلك مسألة مستقلة إما من تفاريع قوله وإما مطلقة ولعله الأظهر
والثانى لولا شيء واحد لكان ما ذكره الإصطخرى عندي راجحا أما وجه رجحانه فلأنه ظاهر النص ورده بأنه قد يكون صادقا فكيف يأمره بالكذب جوابه أنه ولو كان الأمر كما قال إلا أن الشرع كذبه فهو كاذب عند الله سواء طابق ما فى نفس الأمر أم لا
سمعت الشيخ الإمام غير مرة يقول فى قوله تعالى {فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ} هذا كذب شرعى لا يطلق فيه عدم مطابقة ما فى نفس الأمر
لكن صدنى عن الأخذ بظاهر النص أن الشافعى رضى الله عنه ذكر فى أثنائه ما يعرف به أنه ليس مراده لفظ الكذب لأنه رضى الله عنه قال فى المختصر والتوبة إكذابه نفسه لأنه أذنب بأن نطق بالقذف والتوبة منه أن يقول القذف باطل انتهى قال الرويانى وفى نسخة أخرى والتوبة أكذابه نفسه بأنه بأن نطق بالقذف
قال وهما متقاربان فى المعنى
قلت المعنى على النسخة الأولى إكذابه نفسه فقط وعلى الثانية إكذابه نفسه بأن نطقت بالقذف ففيها تأييد لقول أبى إسحاق كما ستعرفه فإنه يقول الكذب فى أنه قذف لا فى أن المقذوف زنا وفى هذه النسخة دلالة على تأويل لإمام الحرمين سنحكيه عنه فلولا قوله التوبة منه أن يقول القذف باطل لرجحت رأى الإصطخرى لكن هذا اللفظ يقتضى الاكتفاء بهذه الصيغة ومن ثم أقول ما وقع فى الرافعى والمحرر والمنهاج من أنه يشترط أن يقول قذفى باطل وأنا نادم عليه ولا أعود إليه انتهى لست أقبل منه إلا قوله قذفى باطل أما ما زاد عليه فزيادات ليست فى النص ولا يدل لها دليل نعم لابد من الندم وعزم ألا يعود بكل توبة أما التلفظ بهما فمن أين لا دليل يدل عليه ولا نص يرشد إليه
وقد يقع فى الذهن أنه لم يقصد بهما حقيقتهما بل المقصود لفظ يدل على إبطال القذف ويجبر ما كان من فحشه من غير اختصاص بهذه الصيغ ولذلك قال الرافعى وما أشبه ذلك فلا يكون ذكر هذه الألفاظ لتعينها فى نفسها ولا للتعبد بصيغها بل المقصود لفظ يقوم مقام لفظ حصل الأذى به فكما أذى وقذف بلسانه كذلك يجبر ما كان منه بلسانه لينوب قول عن قول ثم ضرب الشافعى لذلك مثلا قوله القذف باطل وهو صحيح أما إنى نادم فلفظ غير معين وقل من ذكره وأما لا أعود ففيه ما عرفت من الوجهين
وهذا ما حضرنى الآن من كلام الأصحاب قال الشيخ أبو حامد شيخ العراقيين فى تعليقه ما نصه وإن كان قذفا فإما أن يكون قاذفا من طريق السب والشتم أو كان قاذفا من طريق الشهادة فإن كان قاذفا من طريق السب والشتم فإن الشافعى قال توبته إكذابه نفسه واختلف أصحابنا فيه فقال أبو سعيد الإصطخرى يقول كذبت فيما قلت أو أبطلت فيما أخبرت قال لأنه إذا أكذب نفسه فيما قذفها به فقد تاب
وقال أبو إسحاق وعامة أصحابنا يقول فى توبته القذف باطل حرام ولا أعود إلى مثله أبدا لأنه قد استباح هذا القول لما قذفها وتوبته أن يأتى بضد الاستباحة وهو التحريم والإبطال بأن يقول كذبت فيما قلت لجواز أن يكون صادقا فى القذف باطنا فإذا قال كذبت وهو كان صادقا فيه فقد عصى فإن قيل ما الفرق بين القاذف والمرتد حتى قلتم القاذف يطالب بأن يقول القذف باطل حرام والمرتد لا يطالب بأن يقول الكفر باطل حرام
فالجواب عنه أنه لا فرق بينهما فى المعنى وذلك أن القاذف مردود الشهادة لاستباحة القذف ولا يكون من أهل الشهادة إلا بإتيانه بضده وضده أن يحرم القذف والمرتد مردود الشهادة لكفره ولا يعود إلى حال الشهادة إلا أن يأتى بضد الكفر وضده أن يأتى بلفظة الإيمان انتهى
وفيه فوائد
منها أن أبا سعيد لا يعين لفظ الكذب بل يقول كذبت أو أبطلت فيما أخبرت وهى فائدة لم أجد التصريح بها فى كلام الشيخ أبى حامد
ومنها أن الكلام مخصوص بقذف السب والإيذاء وهو الصواب وسنتكلم عليه
وقال أبو الحسن الجورى فى كتاب المرشد واختلف أصحابنا فى توبة القاذف فقال بعضهم هى قوله القذف باطل ولا يقول إنى كاذب لأنه إذا قال هذا فهو فاسق به الساعة لكذبه
وقال بعضهم لا فصل بين قوله القذف باطل وبين قوله كذبت وقد قال الشافعى التوبة إكذابه نفسه انتهى
وفيه دلالة على أن أبا سعيد إن كان هو المشار إليه بقوله وقال بعضهم لا يعين لفظ الكذب بل يخير بينه وبين القذف باطل وغيره يعين لفظ القذف باطل ولا يخير لفظ الكذب
ويخرج من هذا إن خرج على ظاهره ثلاثة أوجه تعيين لفظ الكذب وتعيين عدمه وتفريع كل منهما
وقال القاضى أبو الطيب فى تعليقته فى كلامه على قول الشافعى والتوبة إكذابه نفسه ما نصه ثم ذكر بعد ذلك أن التوبة قوله القذف باطل واختلف أصحابنا فيها فقال أبو سعيد الإصطخرى توبته أن يكذب نفسه فيقول كذبت فى هذا القذف لأن الشافعى قال إكذابه نفسه
وقال أبو إسحاق التوبة أن يقول القذف باطل في جميع الأحوال كان صادقا فيه أو كاذبا لأنه لا يجوز لأحد أن يقذف أحدا وإن كان صادقا فى قذفه إياه لأن الله عز وجل نهى عن ذلك على الإطلاق وهو الصحيح
وأبى أصحابنا ما قاله أبو سعيد وقالوا هذا يؤدى إلى أن يكلفه الكذب لأنه ربما كان صادقا فى القذف فإذا كلفناه أن يقول كذبت فى القذف كان كاذبا لأنه ربما كان صادقا فى قذفه وإذا قال القذف باطل لم يكذب لأنه باطل سواء كان صادقا فيه أم كاذبا لأنه لا يجوز أن يقذف أحدا بحال انتهى
وقال القاضى الحسين توبة القاذف أن يقول القذف باطل أو ما كان ينبغى لى أن أقذف أو لم أكن محقا فيما قلت ولا يكلف أن يقول كذبت فيما قلت لاحتمال أن المقذوف قد زنا وأنه صدق فيما نسبه إليه غير أن المسلم مأمور بحفظ الستر على أخيه المسلم فلهذا صار مؤاخذا بالقذف ومعنى قول الشافعى التوبة إكذابه نفسه أى يكذب نفسه فيما أخبر ويقول ما كنت محقا فى ذلك الخبر لأنه يتخيل للسامع من قوله أنه صادق فيقطع ذلك التوهم بالتوبة فلهذا سماه إكذابا
وقال الإصطخرى توبته أن يقول كذبت فيما قلت لظاهر لفظ الشافعى إكذابه نفسه
وقال أبو إسحاق يقول قذفى حرام باطل
وقال القفال القذف باطل ما كان ينبغى لى أن أقذفه انتهى
فانظر كيف ختم كلامه بقوله وقال أبو إسحاق وقال القفال وذكر صيغتين عنده أن فى كل منهما كفاية ولذلك خير فى أول كلامه بين كل منهما وزاد أو لم أكن محقا فدل أن المراد أحد هذه الألفاظ أو ما يشبهها وأنه ليس المقصود واحدا بعينه ولا أظن أصحابنا يختلفون فى ذلك ولا يعينون لفظ إنى نادم كما أوهته عبارة الرافعى ومن يتبعه وليس موضع اختلافهم إلا شيئان أحدهما لفظ الكذب قاله أبو سعيد ولا يصدنى عنه إلا قول الشافعى والتوبة قوله القذف باطل
والثانى لفظ لا أعود لتصريح الماوردى فيه بحكاية الوجهين
أما لفظ إنى نادم فلا أعرفه ولا وجه له
وقال الماوردى رحمه الله أما القذف بالزنا فلا يكون بعد الندم والعزم إلا بالقول لأنه معصية بالقول كالردة فيعتبر فى صحة توبته ثلاثة شروط أحدها الندم على قذفه والثانى العزم على ترك مثله والثالث إكذاب نفسه على ما قاله الشافعى فاختلف أصحابنا فى تأويله على وجهين
أحدهما وهو قول أبى سعيد الإصطخرى أنه محمول على ظاهره وهو أن يقول وإنى كاذب فى قذفى له بالزنا وقد روى عمر أن النبى قال ( توبة القاذف إكذابه نفسه )
والوجه الثانى هو قول أبى إسحاق المروزى وأبى على بن أبى هريرة أن إكذاب نفسه أن يقول قذفى له بالزنا كان باطلا ولا يقول كنت كاذبا فى قذفى لجواز أن يكون صادقا فيصير عاصيا بكذبه كما كان عاصيا بقذفه
وهل يحتاج أن يقول فى التوبة ولا أعود إلى مثله أولا فيه وجهان أحدهما لا يحتاج إليه لأن العزم على ترك مثله يغنى عنه
والوجه الثانى لابد أن يقول لا أعود إلى مثله لأن القول فى هذه التوبة معتبر والعزم ليس بقول انتهى
وهو كالنص على أن لفظ الندم لا يشترط إنما المشترط معناه
وقال الفورانى فى العمد اختلف أصحابنا فى التوبة منهم من قال هو أن يكذب نفسه فيقول كذبت فيما قلت ومنهم من قال وهو الأصح هذا لا يكون توبة لاحتما صدقه فى القذف لكن التوبة أن يقول القذف باطل أى قذف الناس باطل وما كان لى أن أقذف و وقد رجعت عما قلت وتبت عنه فلا أعود إليه
وقال الشيخ أبو إسحاق فى المهذب قبل باب عدد الشهود فى التوبة من المعصية ما نصه وإن كان قذفا فقد قال الشافعى رضى الله عنه التوبة منه إكذابه نفسه
واختلف أصحابنا فيه فقال أبو سعيد الإصطخرى هو أن يقول كذبت فيما قلت ولا أعود إلى مثله ووجهه ما روى عن عمر رضى الله عنه أن النبى قال ( توبة القاذف إكذابه نفسه )
وقال أبو إسحاق أبو على ابن أبى هريرة هو أن يقول قذفى له كان باطلا ولا يقول إنى كنت كاذبا لجواز أن يكون صادقا فيصير بكذبه عاصيا كما كان بقذفه عاصيا انتهى
وفيه موافقة الرافعى على نقله عن أبى سعيد أنه يقول ولا أعود إلى مثله لكنه قصر هذه اللفظة على مقالة أبى سعيد ولم يذكرها على مقالة أبى إسحاق وأبى على
وقال ابن الصباغ المذهب ما ذهب إليه أبو إسحاق وهو أن يقول القذف باطل حرام ولا أعود إلى ما قلت
وقال الإصطخرى يقول كذبت فيما قلت انتهى
وهو فى لفظه ولا أعود إلى ما قلت عكس المهذب فإنه جعلها على قول أبى إسحاق فإذا أجمع المهذب والشامل كان فيهما تأييد لنقل الرافعى فكأنه أخذ من مجموعها أنه لابد أن يقول ولا أعود لأن الشيخ أبا إسحاق نقلها على قول أبى سعيد وابن الصباغ نقلها على قول أبى إسحاق فكانت على القولين جميعا وعلى ذلك جرى صاحب التهذيب كما ستراه فاتبعه الرافعى
وقال الإمام رضى الله عنه فى النهاية قال الشافعى رضى الله عنه توبة القاذف بإكذابه نفسه وهذا لفظ فى ظاهره إشكال وفى بيان المذهب يحصل الغرض فالذى ذهب إليه جماهير الأصحاب أن القاذف لا يكلف أن يكذب نفسه إذ ربما يكون صادقا فى نسبته المقذوف إلى الزنا فلو كلفناه أن يكذب نفسه لكان ذلك تكليفا منا إياه أن يكذب وهذا محال فالوجه أن يقول أسأت فيما قلت وما كنت محقا وقد تبت عن الرجوع إلى مثله أبدا ولا يصرح بتكذيب نفسه إلا أن يعلم أنه كان كاذبا وهذا يبعد علمه وهؤلاء حملوا قول الشافعى على ما سنصفه فقالوا القاذف فى الغالب يصف ويرى من نفسه أنه قال حقا وأظهر ماله إظهاره فيرجع ما ذكره الشافعى من الإكذاب إلى هذا فيقول قد كنت قلت لى أن أقول ما قلته وقد كذبت وأبطلت فيما قدمت
وقال الإصطخرى لابد أن يكذب نفسه وإن كان صادقا فإنه عز من قائل قال {فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاء فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ} فهذا لقب أثبته الشرع فيكذب القاذف على هذا التأويل نفسه فإن الشرع سماه كاذبا
وهذا بعيد لا أصل له وهذه الآية مع آى أخر وردت فى قصة الإفك وتبرئة عائشة رضى الله عنها وكانت مبرأة عما قذفها به المنافقون انتهى
ولا مزيد على حسنه فلله دره من خطيب مصقع مناضل عن الشريعة بقلبه ولسانه
ومن هنا والله أعلم أخذ الشيخ الإمام رحمه الله ما كان يقوله لنا من أن القاذف كاذب عند الله لقد لقبه الشرع ووسمه بسيمة الكذب وإن كان الأمر على ما وصف من اقتراف المقذوف معصية الزنا وفى كلام الإمام ما يؤخذ منه تفصيل بين أن يعلم من نفسه الصدق أولا وسيكون لى عليه كلام يدل على ميل منى إليه
وقال الغزالى رحمه الله فى الوسيط أما القاذف فتوبته فى إكذابه نفسه كذلك قال الشافعى وهو مشكل لأنه ربما كان صادقا والمعنى به تكذيبه نفسه فى قوله أنا محق فى الإظهار والمجاهرة دون الحجة فيكفى أن يقول تبت ولا أعود انتهى وقد لخصه من كلام الإمام
ولقائل أن يقول إذا كان المعنى بإكذابه نفسه كذبه فى قوله أنا محق فى الإظهار والمجاهرة فلا مانع من أن يقول كذبت ولا عاب فيه أيضا ولم يكلفه يكذب فلم لا يقول ذلك ويجرى على ظاهر النص
وقال صاحب التهذيب قال الشافعى رضى الله عنه التوبة إكذابه نفسه فاختلف أصحابنا فيه فقال الإصطخرى يقول كذبت فيما قلت ولا أعود إلى مثله
وقال أبو إسحاق لا يقول كذبت لأنه ربما يكون صادقا بل يقول القذف باطل ندمت على ما قلت رجعت عنه فلا أعود إليه انتهى
ومنه أخذ الرافعى لفظ الندم وأن لا أعود مقولة على الوجهين وجه أبى سعيد ووجه أبى إسحاق
وقال صاحب البحر قال أبو إسحاق ليس معنى قول الشافعى أن يقول كذبت فيما قلت بل معناه أن يكذب نفسه فى استباحة القذف فيقول القذف باطل وإنى لا أعود إليه وأنا نادم عليه أو يقول قذفى له بالزنا كان كاذبا ولا يقول كنت كاذبا لجواز أن يكون صادقا وبه قال ابن أبى هريرة
فإن قيل فقد تقبل توبة المرتد وإن لم يقل الكفر باطل فلم شرطتم ها هنا أن يقول القذف باطل
قلنا لا يقبل واحد منهما حتى يأتى بما يضاد الأول والتوحيد يضاد الكفر فاكتفى به وليس ما يضاد القذف إلا أن يقول القذف باطل فافترقا
وقال الإصطخرى وبه قال أحمد رضى الله عنه توبة القاذف أن يقول كذبت فيما قلت وإننى كاذب فى قذفى له بالزنا وهذا ظاهر قول الشافعى رضى الله عنه والتوبة إكذابه نفسه وقد روى عن عمر رضى الله عنه أن النبي قال توبة القاذف إكذابه نفسه
قال أصحابنا ما قاله أبو إسحاق أصح وهو المذهب انتهى
وقال القاضى مجلى فى الذخائر وإن كانت المعصية قذفا فقد قال الشافعى التوبة منها إكذابه نفسه واختلف أصحابنا فى ذلك فقال أبو إسحاق وأبو على ابن أبى هريرة وهو ظاهر المذهب هو أن يقول القذف باطل حرام ولا أعود إلى ما قلت
وقال أبو سعيد الإصطخرى هو أن يقول كذبت فيما قلت ولا أعود إلى مثله وتعلق بظاهر كلام الشافعى رحمه الله وبه قال أحمد لما روى عن عمر رضى الله عنه أنه قال توبة القاذف إكذابه نفسه
قال الأولون وهذا لا يصح لأنه يجوز أن يكون صادقا فى القذف فيصير بكذبه عاصيا كما كان بقذفه عاصيا
وقال بعضهم هو أن يقول ما كنت محقا فى القذف ولا أعود إليه وكلام الشافعى رحمه الله محمول على تكذيب نفسه فى قوله أنا محق فى إظهاره والمجاهرة بغير حجة انتهى
وقوله القذف باطل حرام ذكره لفظ حرام مع باطل تبع فيه من قدمنا ذكره إياها وهى لفظة محمولة على التوسع فى العبارة وإلا فكل قذف خرج مخرج الشتم فهو حرام وإن خرج مخرج الشهادة ولم يتم العدد وقد كان يحسبه تم فليس بحرام فما للفظة موقع
فإن قلت ما الذى استقر عليه رأيكم فى صيغة توبة القاذف أيترجح عندك قول أبى سعيد أم قول الجمهور
قلت إن كان القاذف يعلم أنه كاذب فالأرجح عندى قول أبى سعيد لأن مدار التوبة على نحو ما مضى ما أمكن وتدارك ما يمكن تداركه ولا يتدارك ثلبه عرض أخيه ونيله منه إلا بذلك فهو نظير وفاء الدين ورد الظلامة ولا يغنى عن لفظ الكذب لفظ ممجمج ليس بصريح فى معناه بل من نال من أخيه قذفا وهو يعلم أنه برئ فتوبته بأن يبين للناس أنه برئ ولا يبين ذلك إلا بتسجيله على نفسه بصريح الكذب والبهت وإن علم أنه صادق أو شك فالمسألة محتملة يحتمل أن يكفيه قذفى باطل كما قاله الجمهور ويدل له نص الشافعى دلالة واضحة على رواية من روى فى لفظ النص بأنه أذنب بأن نطق بالقذف إلى آخره فكأن الشافعى رحمه الله فسر إكذابه نفسه بهذا ويحتمل أن يشترط لفظ الكذب ليجبر ما كان منه وما ذكروه من أنه قد يكون صادقا قد قدمنا جوابه وهو أن الصدق هنا ليس مطابقة ما فى نفس الأمر بل كل قاذف إذا لم يتم العدد فهو كاذب لقب لقبه الرب عز من قائل به ووسمه سمة لا تزايله إلا بما ذكرناه وهذا فيمن أخرج قذفه مخرج الشتم والسب أما من أخرجه مخرج الشهادة ولم يتم العدد وقلنا بوجوب الحد عليه فلا يظهر لى أن يقول ذلك ولا أن الإصطخرى يوجب عليه هذا القول وإنما يوجب أبو سعيد لفظ التكذيب على من أخرجه مخرج السب والإيذاء هذا ما يدل عليه نقل الماوردى فى الحاوى صريحا وغيره تلويحا وإن كان كلام الرافعى ومن تبعه مطلقا فصارت الصور عندى ثلاثا
قاذف يعلم كذبه فالراجح قول أبى سعيد
وقاذف لا يعلم كذبه ولكنه أخرج قذفه مخرج الشتم والإيذاء ففيه تردد نظر
وقاذف يظن أو يعلم صدق نفسه وما أخرج قذفه إلا مخرج الشهادة غير أنه حد لنقصان العدد فالراجح فيه قول الجمهور بل لا أعتقد فيه خلافا ولا أحفظ عن الإصطخرى فيه مخالفة بل صريح كلام الماوردى يدل على أنه لا يخالف فيه بل لو قال هذا والحالة هذه كذبت لم تقبل شهادته فى الحال أما إذا قال القذف باطل فإن شهادته تقبل فى الحال إذا كان عدلا لقول عمر رضى الله عنه لأبى بكرة تب أقبل شهادتك فكيف نلجئه أن يقول كذبت وهى لفظة توجب الحكم برد شهادته فيما يستأنف فإن قلت من أين لك أنه إذا قال كذبت ترد شهادته فيما يستأنف وإن كان قذفه إنما كان على وجه الشهادة والذى قاله الرافعى ومن تبعه فى العدل يقذف على صورة الشهادة ثم يتوب أنه لا يشترط الاستبراء على المذهب وإن كان قذف سب إو إيذاء اشترط على المذهب ولم يفضلوا فى قذف الشهادة بين أن تكون التوبة منه بلفظ كذبت أو غيره قلت هو مطلق يقيد بما إذا لم يكن بلفظ كذبت إذ هو حين يقول كذبت معترف بفسقه وإقدامه على شهادة الزور فى هذا الأمر الخطير إلا أن يعنى ب كذبت أنى ملقب من الشارع بلقب الكذب كما قدمناه فإن هو عنى ذلك فلا كلام وإلا فقد اعترف بشهادة الزور فهذا هو الذى يظهر ثم هو المسطور بل لم يجعله الإمام محل خلاف إذ قال فى النهاية
والوجه عندنا أن يقول إذا صرح بتكذيب نفسه فهذا يخرج عن التفاصيل وترديد الأقوال ويقطع فيه بالاستبراء
وقال صاحب البحر فى القاذف إذا كان عدلا لكن لم يتم العدد إن أصحابنا قالوا إن هذا إذا قال القذف باطل وأنا لا أعود قبلت شهادته فى الحال إلى أن قال والذى قال لاستبراء حاله أراد إذا لم يطل الزمان أو أراد إن أكذب نفسه فى القذف إلى أن قال وإن لم يكذب نفسه وأظهر الندامة على قوله وكان عدلا من قبل لا يحتاج إلى زمن الاستبراء انتهى ملخصا
وإذا تأملت ما سطرته لك فى هذه الجملة حصلت منه على فوائد
إحداها أن لفظ كذبت لا يشترط عند أبى سعيد إلا فى قذف السب والإيذاء دون المخرج مخرج الشهادة على ما دل عليه كلام كثير من النقلة وكلام الماوردى كالصريح فيه فلينظر الحاوى وليس فى الرافعى شيء من ذلك بل قال بعد ما ذكر خلاف الإصطخرى والجمهور ولا فرق فى ذلك بين القذف على سبيل السب والإيذاء وبين القذف على صورة الشهادة إذا لم يتم عدد الشهود إن قلنا بوجوب الحد على من شهد فإن لم يوجب فلا حاجة بالشاهد إلى التوبة انتهى
وهذا صريح فيما إذا لم يتم العدد بأنه على القول بوجوب الحد يطرقه خلاف أبى سعيد فيوجب عليه أن يقول كذبت وهذا بعيد بل لا أشك فى بطلانه فإن المصرح به عن أبى سعيد خلاف ذلك وقد قدمنا كلام صاحب البحر ثم صرح بعد ذلك فقال فيما إذا نقص العدد إن قلنا يحدون يحكم بفسقهم وتجب التوبة فيقول قذفى باطل ولا يحتاج إلى الندم وترك العزم في المستقبل لأنها شهادة فى حق الله ولا يعتبر أن يقول إنى كاذب ولا أن يقول ولا أعود إلى مثله لأنه لم تم عدد الشهود لزمه أن يشهد انتهى
وهو صحيح لا شك فيه
الثانى أن لفظ حرام فى قوله قذفى باطل لم يقع إلا فى عبارة الشيخ أبى حامد والقفال ومن تبعهما وما أظنها على سبيل التعيين فلا يغتر بها بل يكفى قذفى باطل
الثالثة أن لفظ إنى نادم وقع فى كلام من رأيته وما أراه على سبيل التعيين وإن كانت عبارة المحرر والمنهاج تغر وتوهم أن ذلك يتعين
والرابعة أن لفظ ولا أعود وقع مستطردا فى كلام الرافعى يكاد يكون غير مقصود وهى مسألة ذات وجهين صرح بحكايتهما الماوردى فى الحاوى والرويانى فى البحر
167 الحسن بن أحمد بن محمد الطبرى أبو الحسين الجلابى
قدم بغداد وكان يحضر مجلس الداركى ثم درس فى حياته وكانت له معرفة بالحديث
حدث عن أبى على الحسن بن أحمد الفقيه وأبى الحسن بن أبى عمران الجرجانى
قال ابن النجار وروى عنه عامر بن محمد البسطامى فى معجم شيوخه فى الكنى ولم يسمه
قال ابن النجار وقد رأيت له كتابا سماه المدخل فى الجدل ورأيت عليه خطه وقد سمى نفسه الحسن بن أحمد بن محمد
وذكره الشيخ أبو إسحاق فى الطبقات بكنيته ولم يزد على أن قال تفقه فى بلده وحضر مجلس الداركى ثم درس فى حياته ومات قبل الداركى بسبعة عشر يوما وكان فقيها فاضلا عارفا بالحديث
وكانت وفاة الداركى فى الثالث عشر من شوال سنة خمس وسبعين وثلاثمائة فتكون وفاة الجلابى فى سادس عشرى رمضان
وقال أبو عاصم أبو الحسين بن أحمد الجلابى كان فقيها جدلا ورعا
ومن الرواية عنه ومن الغرائب عنه
حكى القاضى أبو الطيب فى التعليقة أن الشيخ أبا حامد كان يحكى أن الجلابى سئل عن البالغين من أهل الحرب إذا أسرهم الإمام فقال صاروا أرقاء بنفس الأسر كالنساء والصبيان قال وهذا غلط
قال القاضى أبو الطيب وأنا رأيت الجلابى وكنت صبيا
قال ابن الرفعة ولا شك أن هذا غلط إن لم يثبت للإمام تخيير فيهم نعم إن قال بثبوت الخيار فيهم بعد ذلك بين البقاء على الرق والمن والفداء والقتل فلا بعد فيه
168 الحسن بن أحمد المعروف بالحداد البصرى القاضى أبو محمد
وهو المذكور فى كتاب الأقضية من شرح الرافعى
قال فيه الشيخ أبو إسحاق أحد فقهاء أصحابنا لا أعلم على من درس ولا وقت وفاته
قال ورأيت له كتابا فى أدب القضاء دل على فضل كبير
قلت وقفت على الكتاب المذكور وقد حدث فيه عن من لحق أصحاب الإمام أحمد بن حنبل وعن من لحق ابن سريج ووقفت له أيضا على كتاب فى الشهادات وفيهما فوائد
169 الحسن بن حبيب بن عبد الله الملك الدمشقى الفقيه أبو على الحصائرى
إمام مسجد باب الجابية بدمشق
ولد سنة اثنتين وأربعين ومائتين
وحدث بكتاب الإمام الشافعى عن أصحابه
سمع الربيع بن سليمان وبكار بن قتيبة القاضى والعباس بن الوليد البيروتى وصالح بن أحمد بن حنبل ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم وأبا أمية الطرسوسى وخلقا
روى عنه عبد المنعم بن غلبون وابن جميع وابن المقرى وأبو حفص ابن شاهين وتمام الرازى وأبو بكر بن أبى الحديد وآخرون
قال عبد العزيز الكتانى هو ثقة نبيل حافظ لمذهب الشافعى
مات فى ذى القعدة سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة
170 الحسن بن الحسين الإمام الجليل القاضى أبو على بن أبى هريرة
أحد عظماء الأصحاب ورفعائهم المشهور اسمه الطائر فى الآفاق ذكره
قال فيه الخطيب وقد ذكره فى تاريخ بغداد الفقيه القاضى كان أحد شيوخ الشافعيين وله مسائل فى الفروع محفوظة وأقواله فيها مسطورة
قلت شرح المختصر ووقفت على الشرح المذكور
وتفقه على ابن سريج وأبى إسحاق المروزى
قال أبو سعيد الكرابيسى الحافظ سمعت أبا بكر محمد بن عبد الله بن أبى جعفر ناقله إلى القاضى الخوارزمى يقول تغيب أبو الحسن الأوزاعى عن القاضى أبى على ابن أبى هريرة فى بغداد أياما ثم حضره فقال يا أبا الحسن أين كنت عنا فقال كنت أيها القاضى شبه العليل فقال له أبو على وهبك الله شبة العافية
قال الرافعى إن ابن أبى هريرة زعيم عظيم للفقهاء وسنذكر فى أين قال هذا
ومات فى شهر رجب سنة خمس وأربعين وثلاثمائة
ومن الغرائب والفوائد عنه
قال فيمن طلق واحدة من نسائه لا بعينها أو بعينها ثم نسيها طلاقا رجعيا إن له وطء الجميع
واختلف النقل عنه فى أن الوطء تعيين أو ليس بتعيين فيخرج من كونه ليس تعيينا أنه يطأ كلا منهما ولا يكون وطء واحدة مانعا من وطء الأخرى ولا يمكنه أن يقول الطلاق واقع من حين اللفظ لأن من أوقعه من حين اللفظ جعل الوطء تعيينا كما أشار إليه الرافعى وحكى الخلاف فى ذلك بين أبى إسحاق وابن أبى هريرة فكأن هذا اللفظ عند ابن أبى هريرة لا يباشر به المحل
وهذا قد يتجه فى الطلاق المبهم أما فيمن طلق معينة ثم نسيها فلا اتجاه له وهو آيل إلى وطء المحرمة قطعا
ومنزلة هذا المذهب فى البعد منزلة مقابله الذى حكاه الحناطى فيمن علق الطلاق بالشهر وذلك أن الشاك فى الباقى من الشهر لا يقع عليه الطلاق لأنه لا يقع إلا باليقين
وحكى الحناطى وجهين فى حل الوطء فى حال الشك
وجه التحريم أنه شاك فى استباحتها فأشبه ما إذا اشتبهت زوجته بأجنبية
قال ابن الرفعة وهذا التعليل يقتضى تحريمها عليه على هذا الوجه فيما إذا شك هل طلق أو لا ولم نر من قال به
إذا كان رأس الشاج أصغر استوعبناه وضممنا إليه أرش ما بقى
وقال ابن أبي هريرة تخريجا فيما حكاه عنه الماوردى بل نضم إليه أرش الموضحة كاملا
قال فى الحاوى فى النهى عن تلقى الركبان وكذلك المدلس قال الشافعى قد عصى الله تعالى والبيع لازم والثمن حلال يريد أن التدليس حرام والثمن حلال
وقد كان أبو على بن أبى هريرة يقول إن ثمن التدليس حرام لا ثمن المبيع ألا ترى أن المبيع إذا فات رجع على البائع بأرش عيب التدليس فدل على أنه أخذ منه بغير استحقاق انتهى
وما حكاه عن ابن أبى هريرة غريب ومعناه أن الزيادة بسبب التدليس محرمة لا جملة الثمن
واعلم أن صاحب البحر لم ينقل فيه هذا مع كثرة استقصائه لكلام الحاوى
رأيت فى تعليق ابن أبى هريرة على المختصر فى الحدود بعد ذكر الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ما نصه ألا ترى أن ابن مسعود قد أنكر المعوذتين وإنما أنكر رسمهما لأنه محال أن يظن بابن مسعود أن ينكر أصلهما انتهى
قلت وقد عقد القاضى أبو بكر فى كتابه الانتصار للقرآن وهو الكتاب العظيم الذى لا ينبغى لعالم أن يخلو عن تحصيله بابا كبيرا بين فيه خطأ الناقل لهذه المقالة عن عبد الله بن مسعود وأن الدليل القاطع قائم على كذبه على عبد الله وبراءة عبد الله منهما
قال ابن أبى هريرة البحث مع الفاسق لا يجوز وفرق الماوردى فجوزه فى المعقول دون المنقول
قلت وكلاهما مستدرك والصواب البحث معه وأما قبول نقله فأمر آخر
لابن أبى هريرة وجه أن بيع عقار اليتيم للغبطة لا يجوز وإنما يجوز للضرورة فقط رأيته فى تعليقه وحكيته عنه فى التوشيح بلفظ فلينظر
فصل ابن أبى هريرة فى تقديم العشاء وتأخيرها فقال كما نقله صاحب الحاوى إن علم من نفسه أنه إذا آخرها لا يغلبه نوم ولا كسل فالأفضل التأخير وإلا فالتقديم
وقال الشاشى هذا التفصيل متجه للمنفرد دون الجماعة لاختلاف أحوالهم
قال الوالد رحمه الله وما ذكره ابن أبى هريرة فى الحقيقة اختيار للتأخير لأن من خشى أن النوم يغلبه لا يمكن أن يقال التأخير له أفضل
قال ابن أبى هريرة إذا أكره المصلى على الحدث بأن عصر بطنه حتى خرج بغير اختياره لم تبطل صلاته
كذا نقله عنه الوالد رحمه الله فى شرح المنهاج وهو غريب
قال الوالد كأنه تفريع على القول بأن سبق الحدث لا يبطل الصلاة
قلت أو أنه على الجديد وهو وجه صعب شبه الوجه الذاهب إلى أن من مس ذكره ناسيا لا ينتقض وضوؤه وقد حكاه الرافعى عن حكاية الحناطى
نقل الماوردى فى الحاوى أن ابن أبى هريرة قال إنه يباح ولا يكره عقد اليمين على مباح اعتبارا بالمحلوف عليه
وهذا مخالف لنص الشافعى حيث قال وأكره الأيمان على كل حال إلا فيما كان طاعة
ووجه ابن أبى هريرة غريب لم يحكه الرافعى إنما حكى الرافعى الأوجه فى الحالف على مباح هل يستحب له الحنث أو عدمه أو يتخير أما نفس عقد اليمين فظاهر كلامه الجزم بأنه مكروه كما هو ظاهر النص
حكى الدبيلى فى كتاب أدب القضاء أن ابن أبى هريرة قال فيما إذا أسلم فى دراهم أو دنانير ولم يصفها إنه يجوز ويحمل على نقد البلد وأن أبا إسحاق قال لا يجوز لأن السلم يحتاط فيه وأن ابن سريج قال إن كان حالا جاز وإلا فلا لأنه قد يتغير النقد
قلت أما ما حكاه عن ابن سريج فغريب حسن وأما الوجهان الأولان فقد أشار إليهما الإمام فى النهاية فى أوائل باب كتاب القاضى إلى القاضى
مسألة إيقاع القرعة على العبد المبهم حتى يعتق
أنكر على الشيخ ابن أبى هريرة قوله فيما إذا قال الزوج إن كان الطائر غرابا فعبدى حر وإلا فزوجتى طالق ومات قبل البيان وقلنا لا يعين الوارث بل نقرع فإن خرجت على المرأة لم تطلق والأصح لا يرق العبد وعلى هذا ففى وجه أن القرعة تعاد إلى أن تخرج عليه
قال الرافعى قال الإمام وعندى يجب أن يخرج القائل به عن أحزاب الفقهاء ومن قال به فليقطع بعتق العبد وليترك تضييع الزمان فى إخراج القرعة
وهذا قوى قويم لكن الحناطى حكى الوجه عن ابن أبى هريرة وهو زعيم عظيم للفقهاء لا يتأتى إخراجه من أحزابهم انتهى
قلت أما كونه زعيما عظيما فلا شك فيه ولعل من أجل ذلك لم يبح الإمام باسمه بل ذكر الوجه مجردا غير معزو إلى قائل وكأنه جعل الآفة فيه النقلة عن أبى على
وعبارة الإمام فى النهاية وفى بعض التصانيف أن القرعة تعاد مرة أخرى عن بعض أصحابنا وعندى أن صاحب هذه المقالة يجب أن يخرج من أحزاب الفقهاء فإن القرعة إذا كانت تعاد ثانية فقد تعاد ثالثة ثم لا يزال الأمر كذلك حتى تقع على الأمة فإن القرعة ستخرج عليها وحق صاحب هذا المذهب أن يقطع بعتق الأمة وهذا لا سبيل إليه انتهى
ولا شك أن الإمام لا يطلق هذه العبارة فى حق ابن أبى هريرة بل إما ألا يكون بلغه أن هذا القول قوله أو لا يكون صدق النقلة عنه ويؤيد هذا أنى رأيت أخى الشيخ أبا حامد أحمد أطال الله بقاءه ذكر فى تكملة شرح المنهاج لفظ ابن أبى هريرة فى المسألة من تعليقته التى علقها عنه الطبرى وليس فيه أنه قال إن القرعة تعاد بل عبارته فى القرعة وإن خرجت على امرأته لم تطلق ولم يعتق العبد والورع ألا يأخذ وارثه ويجوز له أن يتصرف فى العبد انتهى
وفى قوله ويجوز له أن يتصرف فى العبد ما يؤذن بخلاف ما نقله الحناطى
ثم أقول بتقدير ثبوت منقول الحناطى ليست هذه المقالة بالغة فى النكارة إلى هذا الحد ولا يلزمه أن يعين العبد للعتق ابتداء من غير قرعة لأنه قد يكون من مذهبه أن القرعة تحدث أن العتق فى الحال ولا يكون منكبة عنه فقد وجدته حكى فى تعليقته فى باب القرعة أواخر كتاب العتق هذا المذهب عن مالك رحمه الله لكنه رد على مالك فى ذلك
وبتقدير ألا يكون مذهبه فلا يلزمه ذلك أيضا لأن له أن يقول لو أعتقته بلا قرعة لأعتقته بلا سبب بخلاف ما إذا أعتقته بقرعة وإن كنت متسببا فى خروجها عليه فإنا عهدنا القرعة منصوبة سببا فى مثل ذلك ولأجله قلنا بالقرعة هنا لأنها لو قرعت المرأة لم تطلق فما جعلت إلا رجاء الوقوع على العبد فيعتق
فدل أن المقصود بها محاولة العتق وهو شيء يتشوف الشارع إليه فلا يبعد إعادتها حتى تخرج عليه ويعتق ويكون عتقه مسندا إلى القرعة على الجملة وإن كان المقصود بها التحيل عليه
وقد يستأنس بهذا على الجملة بما اتفق فى أمر عبد الله والد سيدنا رسول الله وقد خرج القدح عليه فزادوا الإبل عشرا عشرا كلما وقعت عليه القرعة زادوا وعادوا القرعة حتى انتهوا إلى المائة ووقعت القرعة على الإبل فما كان ذلك إلا توصلا إلى نجاة عبد الله
وكذلك ما رواه المفسرون فى قصة يونس عليه الصلاة والسلام عن ابن مسعود أنه قال لما توعده قومه العذاب انطلق مغاضبا حتى انتهى إلى قوم فى سفينة فعرفوه فحملوه فلما ركب السفينة وقفت فقال ما لسفينتكم فقالوا لا ندرى فقال لكنى أدرى فيها عبد آبق من ربه وإنها والله لا تسير حتى تلقوه
قالوا أما أنت يا نبى الله لا نلقيك قال فاقترعوا فمن قرع فاقترعوا فقرع يونس فأبوا أن يمكنوه من الوقوع فعادوا إلى القرعة حتى قرع ثلاث مرات
فهذا وما قبله وإن كانا قبل شرعنا إلا أنه مما يستأنس به على الجملة لمحاولة من تقرعه القرعة
قول على لعمر رضى الله عنهما فى قصة المغيرة فى أبى بكرة أراك إن جلدته رجمت صاحبك
روى أن عمر رضى الله عنه قال فى قصة المغيرة لأبى بكره تب أقبل شهادتك فقال والله لا أتوب والله زنا فهم عمر بجلده ثانيا فقال له على أراك إن جلدته رجمت صاحبك فتركه ولم يخالفه فى هذه القصة أحد من الصحابة وقد اختلف أصحابنا فى معنى هذا الكلام بعد الاعتراف بإشكاله على وجهين رأيتهما فى تعليق ابن أبي هريرة احتمالين
وهذا كلامه فى التعليقة وكان معنى قوله إن جلدته فارجم صاحبك أى أنك إن استحللت جلده من غير استحقاقه إياه فارجم صاحبك كما يقال من باع الخمر فليشقص الخنازير
ويحتمل أن يكون معناه إن كنت أقمت هذا شاهدا آخر فارجم صاحبك لتمام الشهادة فإذا كنت لا تجعله شاهدا رابعا حتى ترجم به صاحبك فلا تجعله قاذفا رابعا حتى تحده لأنه قد حددتموه انتهى
وصرح ابن الرفعة فى المطلب بنقلهما خلافا بين الأصحاب وذكر أن الأول قول الشيخ أبي حامد وأن الثاني أصح
قال ابن الرفعة وقد قيل أن المغيرة كان تزوج بتلك المرأة فى السر وكان عمر لا يبيح نكاح السر ويوجب الحد على فاعله وكان يقول للمغيرة هذه امرأتك فينكر فظنه من شهد عليه زانيا لأنهم يعرفون منه أنه ينكرها قال وهذا طريق يحسن الظن بالصحابة قال وحينئذ لا يكون الشهود كذبوا ولا المغيرة زنا والحمد لله
171 الحسن بن سفيان بن عامر بن عبد العزيز بن النعمان الشيبانى الحافظ أبو العباس النسوى
مصنف المسند
تفقه على أبى ثور وحرملة
وهو القائل سمعت حرملة يقول سمعت الشافعى يقول فى رجل فى فم امرأته تمرة فقال لها إن أكلت هذه التمرة فأنت طالق وإن طرحتها فأنت طالق فأكلت نصفها وطرحت نصفها لم تطلق
سمع الحسن بن سفيان من أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وإسحاق بن إبراهيم الحنظلى وقتيبة وعبد الرحمن بن سلام الجمحى وشيبان بن فروخ وأبى بكر بن أبى شيبة وأبى ثور وسهل بن عثمان العسكرى ومحمد بن أبى بكر المقدمى وسعد بن يزيد الفراء ويزيد بن صالح وغيرهم
روى عنه ابن خزيمة وأبو بكر الإسماعيلى وابن حبان وأبو على الحافظ ويحيى ابن منصور القاضى وأبو عمرو بن حمدان وحفيده إسحاق بن سعيد النسوى وخلق سواهم
قال الحاكم كان محدث خراسان فى عصره مقدما فى الثبت والكثرة والفهم والفقه والأدب
وقال ابن حبان كان ممن رحل وصنف وحدث على تيقظ مع صحة الديانة والصلابة فى السنة
وقال أبو الوليد النيسابورى الفقيه كان الحسن أديبا فقيها أخذ الأدب عن أصحاب النضر بن شميل والفقه عن أبى ثور
وقال الحاكم سمعت محمد بن داود بن سليمان يقول كنا عند الحسن بن سفيان فدخل ابن خزيمة وأبو عمرو الحيرى وأبو بكر بن على الرازى فى جماعة وهم متوجهون إلى فراوة فقال أبو بكر بن على قد كتبت هذا الطبق من حديثك قال هات فأخذ يقرأ فلما قرأ أحاديثه أدخل إسنادا فى إسناد فرده الحسن ثم بعد ساعة فعل ذلك فرده الحسن فلما كان فى الثالثة قال له الحسن ما هذا قد احتملتك مرتين وهذه الثالثة وأنا ابن تسعين سنة فاتق الله فى المشايخ فربما اتفق فيك دعوة فقال له ابن خزيمة مه لا تؤذ الشيخ قال إنما أردت أن تعلم أن أبا العباس يعرف حديثه
توفى الحسن بن سفيان بقرية بالوز وكان مقيما بها وهى على ثلاثة فراسخ من نسا فى شهر رمضان سنة ثلاث وثلاثمائة
الحسن بن محمد بن العباس أبو على الزجاجى
الإمام الكبير أحد الأئمة تلميذ ابن القاص والراوى عنه جزء حديث أبى عمر وشيخ القاضى أبى الطيب
أراه من أهل هذه الطبقة وسأذكره فى الرابعة
172 الحسن بن محمد أبو على الطبسى
قال فيه الحاكم الفقيه الأديب الزاهد من أجل مشايخنا وفقهائنا بخراسان
قال وكان خليفة أبى على بن أبى هريرة فى حياته وبعد وفاته
كتب بخراسان والعراقين وسمع سنن أبى داود من ابن داسة
قال الحاكم وسمعته يقول لما مات ابن أبى هريرة وسئلت أن أخلفه بعد وفاته رأيت رسول الله فى النوم يقول يا أبا على بلغنى أنك خلفت أبا على ابن أبى هريرة فأحسنت خلافته فجزاك الله عنى خيرا
وذكره العبادى فى الطبقات وحكى عن الأستاذ أبى طاهر أنه قال اجتمع رأيى ورأى أبى على على أن كل كلام لا يوجد نظمه فى غير كتاب الله فإن الجنب لا يقرأه وإن وجد فى غير كتاب الله فإن قصد كتاب الله لم يجز وإن قصد غيره جاز
قلت والمتأخرون من الأصحاب لم يذكروا هذا التفصيل بل أطلقوا أنه إذا قرأ شيئا لا على قصد القرآن أنه يجوز ولا بأس بهذا التفصيل فإن ما لا يوجد نظمه إلا فى كتاب الله يبعد أن يقصد به قارئه غير كتاب الله
قال العبادى نقلا عن أبى على والجنب لا يقول بسم الله الرحمن الرحيم بل يقول بسم الله العظيم وبحمده الحمد لله على الإسلام ونعمته
قال كذا روى فى الخبر
قلت وهذا من آثار ذلك التفصيل كأنه يقول بسم الله الرحمن الرحيم لا يوجد نظمها إلا فى كتاب الله وهذا بعيد أعنى تحريم قول بسم الله الرحمن الرحيم على الجنب إذا لم يقصد بها القرآن فإنها قد اشتهر كونها تذكر ولا يقصد بها القرآن غير أنها مما لا يوجد نظمه إلا فى كتاب الله
قال الحاكم توفى الفقيه الأوحد فى عصره أبو على بطبسين وحضرت معزاه
وتوفى فى شعبان سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة
173 أبو الحسن المحاملى الكبير
من أقران أبى سعيد الإصطخرى وأبى على بن أبى هريرة
قال العبادى ليس هو جد المحاملى الأخير بل غيره
قال وهو القائل بأن من وجد الزاد والراحلة بخراسان يوم عرفة ومات يقضى عنه الحج
قلت وهذا غريب وقد أهمل الغزالى ذكر إمكان السير فى شرائط وجوب الحج فاعترضه الرافعى ونصره ابن الصلاح بأن إمكان السير ليس ركنا لوجوب الحج بل لاستقراره في الذمة وصوب النووى قول الرافعى مستدلا بقوله تعالى {وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} والحق معه والكل متفقون على عدم ثبوته فى الذمة إذا لم يتمكن من السير فمقالة المحاملى غريبة
ووقفت فى بعض التصانيف القديمة لبعض من لم أتحقق اسمه على ما نصه سمعت ابن أبى هريرة يقول حضرت مجلس المحاملى وقد حضره شيخ من أهل أصبهان نبيل الهيئة قدم الموسم حاجا فأقبلت عليه وسألته عن مسألة فى الطهارة فضجر وقال مثلى يسأل عن مسائل الطهارة فقلت لا والله إن سألتك إلا عن الاستنجاء نفسه فألقيت عليه هذه المسألة فبقى متحيرا
قلت وأشار إلى كيفية الاستنجاء إذا أمسك ذكره بيساره
وذكر الأصحاب هذا المحاملى أيضا فى مسألة موت الأجير على الحج بعد الأخذ فى السير وقبل الإحرام فإن المذهب المنصوص أنه لا يستحق شيئا والمنقول فى الرافعى عن الصيرفى والإصطخرى أنه يستحق شيئا من الأجرة لأنهما أفتيا سنة حصر القرامطة الحجيج بالكوفة بأن الأجراء يستحقون بقدر ما عملوا
ورأيت فى البحر للرويانى ما نصه حكى الماسرجسى عن ابن أبى هريرة أنه قال لما وقع من القرامطة ما وقع اجتمعت أنا والمحاملى والإصطخرى واتفقنا على أن نفتى بأن كل من كان حاجا عن الغير لا يستحق الأجرة إلا أنه يرضخ له بشىء هكذا حكاه القاضى الطبرى وذكر الشيخ أبو حاتم أنهم أفتوا بأن لهم الأجرة بقدر ما قطع من المسافة
هذا كلام البحر
وذكره أيضا فيما إذا اختلف القابض والدافع فى الألف المدفوعة هل كانت قرضا أو إبضاعا وأن المحاملى الكبير ذهب إلى أنهما يتحالفان
نقله أبو سعد الهروى فى الإشراف وغيره
174 الحسين بن أحمد بن حمدان بن خالوية أبو عبد الله الهمذانى
إمام فى اللغة والعربية وغيرهما من العلوم الأدبية
قدم بغداد فأخذ عن أبى بكر بن الأنبارى وأبى بكر بن مجاهد وقرأ عليه وأبى عمر غلام ثعلب ونفطويه وأبى سعيد السيرافى وقيل إنه أدرك ابن دريد وأخذ عنه
ثم قدم الشام وصحب سيف الدولة ابن حمدان وأدب بعض أولاده ونفق سوقه بحلب واشتهر ذكره وقصده الطلاب
أخذ عنه عبد المنعم بن غلبون والحسن بن سليمان وغيرهما
وصنف فى اللغة كتاب ليس وكتاب شرح الممدود والمقصور وكتاب أسماء الأسد بلغ فيه إلى خمسمائة اسم وكتاب البديع فى القرآن وكتاب الجمل فى النحو وكتاب الاشتقاق وغير ذلك وكتاب غريب القرآن
وله مع أبى الطيب المتنبى مناظرات عديدة
وقد روى مختصر المزنى عن أبى بكر النيسابوري
توفى سنة سبعين وثلاثمائة
ومن الفوائد عنه
قال ابن الصلاح حكى فى كتابه إعراب ثلاثين سورة مذهب الشافعى فى البسملة وكونها آية من أول كل سورة قال والذي صح عندى وإليه أذهب مذهب الشافعى
قال وأتى بلطيفة غريبة فقال حدثنى أبو سعيد الحافظ ولعله ابن رميح النسوى أحمد بن محمد قال حدثنا أبو بكر النيسابورى قال سمعت الشافعى يقول أول الحمد {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} وأول البقرة {آلم}
وهذا الوجه حسن وهو أن البسملة لما ثبتت أولا فى سورة الفاتحة فهى من السور إعادة لها وتكرير فلا تكون من تلك السور ضرورة فلا يقال هى آية من أول كل سورة بل هى آية فى أول كل سورة
175 الحسين بن أحمد بن الحسن بن موسى القاضى أبو على البيهقى
أورده شيخنا الذهبى كأنه تبع للحاكم فيمن اسمه الحسن
كان فقيها أديبا قاضيا بنسا
سمع من ابن خزيمة وابن صاعد وطبقتهما
روى عن الحاكم وغيره
مات ببيهق سنة تسع وخمسين وثلاثمائة
176 الحسين بن الحسن بن أيوب أبو عبد الله الطوسى الأديب
كان من كبار المحدثين وثقاتهم
رحل إلى أبى حاتم فأقام عنده مدة وجاء بمكة فسمع مسند أبى يحيى بن أبى مسرة منه وكتب أبى عبيد من على بن عبد العزيز
روى عنه أبو على الحافظ النيسابورى وأبو إسحاق المزكى وأبو الحسين الحجاجى وأبو عبدالله الحاكم وأبو على الروذباري وآخرون
مات بنوقان يوم الأضحى سنة أربعين وثلاثمائة
177 الحسين بن صالح بن خيران الشيخ أبو على
أحد أركان المذهب كان إماما زاهدا ورعا تقيا نقيا متقشفا من كبار الأئمة ببغداد
قال الشيخ أبو إسحاق عرض عليه القضاء فلم يتقلده وكان بعض وزراء المقتدر وكل بداره وخوطب الوزير فى ذلك فقال إنما قصدنا ليقال فى زماننا من وكل بداره ليتقلد القضاء فلم يفعل
وقال الحسين بن محمد بن عبيد العسكرى شاهدت الموكلين ببابه وختم الباب بضعة عشر يوما فقال لى أبى يابنى انظر حتى تحدث إن عشت أن إنسانا فعل به هذا ليلى فامتنع
وقال الإمام أبو عبد الله الحسين بن محمد الكشفلى أمر على بن عيسى وزير المقتدر بالله صاحب البلد أن يطلب الشيخ أبا على بن خيران حتى يعرض عليه قضاء القضاة فاستتر فوكل بباب داره رجاله بضعة عشر يوما حتى احتاج إلى الماء فلم يقدر عليه إلا من عند الجيران فبلغ الوزير ذلك فأمر بإزالة التوكيل عنه وقال فى مجلسه والناس حضور ماأردنا بالشيخ أبى على إلا خيرا أردنا أن نعلم أن فى مملكتنا رجلا يعرض عليه قضاء القضاة شرقا وغربا وهو لا يقبل
قال القاضى أبو الطيب ابن خيران كان يعيب على ابن سريج فى ولايته القضاء ويقول هذا الأمر لم يكن فى أصحابنا إنما كان فى أصحاب أبى حنيفة
قلت يعنى بالعراق وإلا فلم يكن القضاء بمصر والشام فى أصحاب أبى حنيفة قط إلا أيام بكار فى مصر وإنما كان فى مصر المالكية وفى الشام الأوزاعية إلى أن ظهر مذهب الشافعى فى الإقليمين فصار فيه وصاحب البلد المعين به صاحب الشرطة وهو الذى يسمى اليوم فى بلادنا بالوالى وكان الوالى فى الزمان الماضى اسما لأمير المدينة وكان الأمير
يسمى الوالى تارة والعامل أخرى وأما المسمى اليوم بالوالى فكان يسمى صاحب الشرطة أو صاحب البلد أو صاحب الخبر يعنى أنه يطالع الأمير بأخبار المدينة
قال الرافعى فى باب الأطعمة عن ابن خيران أنه قال أصاب أكار لنا كلب الماء فى ضيعة لنا فأكلناه فإذا طعمه طعم السمك
قال شيخنا الذهبى لم يبلغنا على من اشتغل ابن خيران ولا عن من أخذ العلم
قال وأظنه مات كهلا
قال ولم يسمع شيئا فيما أعلم
قلت لعله جالس فى العلم ابن سريج وأدرك مشايخه
قال أبو العلاء محمد بن على الواسطى نقلا عن الحسين ابن العسكرى توفى ابن خيران يوم الثلاثاء لثلاث عشرة بقيت من ذى الحجة سنة عشرين وثلاثمائة
وقال الدارقطنى توفى فى حدود العشر والثلاثمائة
قال الخطيب وأظن أبا العلاء وهم على ابن العسكرى وأراد أن يقول سنة عشر فقال سنة عشرين
وقال ابن الصلاح ما ذكر من وفاته أقرب وإياه ذكر الشيخ أبو إسحاق
قلت وأظن العشرين فى كتاب الدارقطنى إلا أن الناسخ أسقط الياء والنون غلطا ولا منافاة حينئذ بين التاريخين
قال شيخنا الذهبى ويدل على مانقله أبو العلاء أن أبا بكر بن الحداد سافر من مصر إلى بغداد يسعى لأبى عبيد بن حربوية القاضى أن يعفى من قضاء مصر فقال ابن زولاق إنه دخلها سنة عشر فى شوال وشاهد باب أبى على بن خيران مسمورا لامتناعه من القضاء وقد اشتهر قال فكان الناس يأتون بأولادهم الصغار فيقولون لهم انظروا حتى تحدثوا بهذا
قلت وليس فى الحكاية صراحة فى تأخر وفاته عن سنة عشر فلعله مات بعد التسمير على بابه بقليل ولكن الأثبت كما ذكرناه وفاته سنة عشرين
ومن الغرائب عن أبى على بن خيران
نقل الدارمى فى باب صفة الصلاة من الاستذكار أن ابن خيران قال فى عراة ليس لهم إلا ثوب واحد وإن صلوا فيه واحدا بعد واحد خرج الوقت إنهم يتركون جميعا ويصلون عراة
قال أبو عاصم العبادى حكى السريحي أن ابن خيران جوز للسيد أن يشهد لمكاتبه ويدفع إليه زكاته قلت
178 الحسين بن على بن محمد بن يحيى أبو أحمد التميمى النيسابورى يقال له حسينك
وهو حسين مفتوح النون بعدها كاف ساكنة ويعرف أيضا بابن منينة بضم الميم بعدها نون ثم آخر الحروف ثم نون ثانية
من بيت حشمة ورياسة تربى فى حجر الإمام أبى بكر بن خزيمة وكان ابن خزيمة فى آخر عمره إذا تخلف عن مجلس السلطان بعث بأبى أحمد نائبا عنه وكان يقدمه على أولاده
سمع أبو أحمد من ابن خزيمة وأبى العباس السراج بنيسابور ورحل فسمع أيضا عمر بن إسماعيل بن أبى غيلان وعبد الله بن محمد البغوى وأبا عوانة الإسفراينى وغيرهم
روى عنه أبو بكر البرقانى وأبو عبد الله الحاكم وعمر بن أحمد بن مسرور وأبو سعد محمد بن عبد الرحمن الكنجروذى وجماعة
قال الخطيب كان ثقة حجة
وقال الحاكم صحبته سفرا وحضرا نحوا من ثلاثين سنة فما رأيته يترك قيام الليل يقرأ فى كل ركعة سبعا وكانت صدقاته دارة سرا وعلانية أخرج مرة عشرة أنفس من الغزاة بآلتهم بدلا عن نفسه ورابط غير مرة
توفى فى ربيع الآخر سنة خمس وسبعين وثلاثمائة
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنا أحمد بن هبة الله بقراءتى أخبرنا أبو روح إجازة أخبرنا زاهر أخبرنا محمد بن عبد الرحمن أخبرنا أبو أحمد الحسين بن على أخبرنا أبو القاسم البغوى حدثنا هدبه حدثنا حماد عن ثابت عن أبى رافع عن أبى هريرة أن رسول الله قال ( كانت شجرة تضر بالطريق فقطعها رجل فنحاها عن الطريق فغفر له ) رواه مسلم عن محمد بن حاتم عن بهز بن أسد عن حماد به
179 الحسن بن على بن يزيد بن داود بن يزيد الحافظ الكبير أبو على النيسابورى
شيخ الحاكم
ولد سنة سبع وسبعين ومائتين وأول سماعه سنة أربع وتسعين
فسمع من إبراهيم بن أبى طالب وعلي بن الحسين وعبد الله بن شيرويه وجعفر ابن أحمد الحافظ
وبهراة الحسين بن إدريس ومحمد بن عبد الرحمن وأقرانهما
قال الحاكم وهراة أول رحلته
وبنسا الحسن بن سفيان
وبجرجان عمران بن موسى
وببغداد عبد الله بن ناجية والقاسم المطرز
وبالكوفة محمد بن جعفر القتات
وبالبصرة أبا خليفة وزكريا الساجى
وبواسط جعفر بن أحمد بن سنان
وبالأهواز عبدان
وبأصبهان محمد بن نصير
وبالموصل أبا يعلى
وبمصر أبا عبد الرحمن النسائى
وبغزة الحسن بن الفرج راوى الموطا
وبمكة المفضل الجندى
وبالشام أصحاب إبراهيم بن العلاء والمعافى بن سليمان
روى عنه أبو بكر أحمد بن إسحاق الصبغى وأبو الوليد الفقيه وهما أكبر منه وابن مندة والحاكم وأبو طاهر بن محمش وأبو عبد الرحمن السلمى وغيرهم
قال الحاكم هو واحد عصره فى الحفظ والإتقان والورع والرحلة ذكره بالشرق كذكره فى الغرب مقدم فى مذاكرة الأئمة وكثرة التصنيف انتهى
وكذلك قال الخطيب قال وذكره الدارقطنى فقال إمام مهذب
قال الحاكم وعقد له مجلس الإملاء سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة وهو ابن ستين سنة ثم لم يزل يحدث بالمصنفات والشيوخ بقية عمره
وأطال الحاكم ترجمة شيخه هذا وأطنب على عادته إذا ترجم كبيرا استوفى وحشد الفوائد والغرائب
قال كان أبو على يشتغل بالصاغة فنصحه بعض العلماء وأشار عليه بالعلم
قال وكنت أرى أبا على معجبا بأبي يعلى الموصلى وإتقانه
قال كان لا يخفى عليه من حديثه إلا اليسر
قال الحاكم كان أبو على باقعة فى الحفظ لا تطاق مذاكرته ولا يفى بمذاكرته أحد من حفاظنا
خرج إلى بغداد سنة عشر نائبا وقد صنف وجمع فأقام ببغداد وما بها أحد أحفظ منه إلا أن يكون أبو بكر الجعابى فإنى سمعت أبا على يقول مارأيت ببغداد أحفظ منه
قال وسمعت أبا على يقول اجتمعت ببغداد مع أبى أحمد العسال وإبراهيم بن حمزة وأبى طالب بن نصر وأبي بكر الجعابى فقالوا أمل علينا من حديث نيسابور مجلسا فامتنعت فمازالوا بى حتى أمليت عليهم ثلاثين حديثا ما أجاب واحد منهم فى حديث منها إلا ابن حمزة فى حديث واحد
قال الحاكم كان أبو على يقول ما رأيت فى أصحابنا مثل الجعابى حيرنى حفظه فحكيت ذلك لأبى بكر الجعابى فقال يقول أبو على هذا وهو أستاذى على الحقيقة
وقال عبد الرحمن بن مندة سمعت أبى أبا عبد الله يقول ما رأيت فى اختلاف الحديث والإتقان أحفظ من أبى على النيسابورى
توفى أبو على عشية الخميس الخامس عشر من جمادى الأولى سنة تسع وأربعين وثلاثمائة
ومن الفوائد عنه
كان أبو على يرى أن كتاب مسلم أصح من كتاب البخارى
قال ابن مندة سمعت أبا على النيسابورى وما رأيت أحفظ منه يقول ما تحت أديم السماء أصح من كتاب مسلم
قلت قد شذ أبو على بهذه المقالة وإن وافقه عليها بعض المغاربة وما بعد كتاب الله أصح من صحيح البخارى
قال أبو على النيسابورى خرجت إلى هراة سنة خمس وتسعين وحضرت أبا خليفة وهو يهدد وكيلا له يقول تعود يالكع فقال لا أصلحك الله فقال بل أنت لا أصلحك الله قم عنى
قلت من فصاحة العرب أن يأتوا بالواو هنا فكان الأدب أن يقول لا وأصلحك الله لئلا يتوهم انصباب النفى على أصلحك الله فيكون قد دعا عليه بعدم الصلاح فإذا أتى بالواو سلم من ذلك
قال القاضى أبو بكر الأبهرى سمعت أبا بكر بن داود يقول لأبى على النيسابورى إبراهيم عن إبراهيم عن إبراهيم من هم فقال إبراهيم بن طهمان عن إبراهيم بن عامر البجلى عن إبراهيم النخعى فقال أحسنت ياأبا على
قلت ولهم خلف عن خلف ستة
فيما أخبرنا به أبو العباس بن المظفر الحافظ قراءة عليه وأنا أسمع أخبرنا أبو الفضل أحمد بن هبة الله بن عساكر عن أبى روح عبد المعز بن محمد الهروى قال أخبرنا زاهر ابن طاهر أخبرنا الشيخ أبو الفضل محمد بن أحمد التميمى المروزى أخبرنا أبو نصر الحسين ابن على بن محمد الحفصوى بمرو أخبرنا الحاكم أبو أحمد محمد بن الحسن البخارى حدثنى أبو أحمد خلف بن أحمد بن محمد بن خلف أمير سجستان حدثنا خلف بن إسماعيل الخيام حدثنا خلف بن سليمان النسفى حدثنا خلف ابن محمد كردوس الواسطى حدثنا خلف بن موسى بن خلف عن أبيه عن جده عن قتادة عن أنس بن مالك قال قال رسول الله ( إن فى الجنة لغرفا ليس لها معاليق من فوقها ولا عماد من تحتها ) قيل يا رسول الله وكيف يدخلها أهلها قال يدخلونها أشباه الطير قيل يا رسول الله لمن هى قال لأهل الأسقام والأوجاع والبلوى
180 الحسين بن القاسم الإمام الجليل أبو على الطبرى
صاحب الإفصاح
له الوجوه المشهورة فى المذهب وصنف فى أصول الفقه وفى الجدل وصنف المحرر وهو أول كتاب صنف فى الخلاف المجرد
تفقه على أبى على بن أبى هريرة وسكن بغداد وتوفى بها سنة خمسين وثلاثمائة
إذا أذن المرتهن للراهن فى البيع أو العتق ثم رجع قبل أن يبيع أو يعتق ولم يعلم الراهن بالرجوع فباع أو أعتق ففى صحته وجهان مخرجان من تصرف الوكيل قبل العلم بعزله
كذا حكاه الجماهير منهم الرافعى والنووى
وفصل فى الإفصاح فقال إن رجع الآذن قبل وقوع البيع فإن كان يمكن الوقوف فى مثله على رجوعه فعلى وجهين وإن كان لا يمكن فى مثله فعلى قول واحد أن بيعه صحيح ولا معنى لرجوعه قياسا على ما قال الشافعى فى الولى إذا دفع من وجب له حق القصاص إلى سياف فرجع فى الإذن قبل القتل
قال الرويانى وهذا التفصيل لم يقله غيره
181 الحسين بن محمد بن أبى زرعة محمد بن عثمان الدمشقى
قاضى الديار المصرية والشامية وسليل قاضيها وهو الذى كان ابن الحداد ينوب عنه وكان الحسين شابا وقد ولآه الخليفة فولى محمد بن طغج الإخشيد ابن الحداد خلافته فكان ابن الحداد هو الذى يحكم والاسم لابن أبى زرعة ثم ورد العهد بعد ستة أشهر من خلافة ابن الحداد لابن أبى زرعة بالقضاء من ابن أبى الشوارب قاضى بغداد فركب ابن أبى زرعة بالسواد إلى الجامع وقرىء عهده على المنبر وله يومئذ أربعون سنة
وكان عارفا بالأحكام منفذا ثم أضيف إليه قضاء دمشق وحمص والرملة وغير ذلك وكان حاجبه بسيف ومنطقة
ولم يزل ابن الحداد يخلفه إلى آخر أيامه وكان ابن أبى زرعة يتأدب معه ثم لما عزل ابن أبى الشوارب من قضاء بغداد وولى أبو نصر يوسف بن عمر القاضى بعث العهد إلى ابن أبى زرعة باستمراره
182 حمد بن محمد بن إبراهيم بن خطاب الإمام أبو سليمان الخطابى البستى
ويقال إنه من سلالة زيد بن الخطاب بن نفيل العدوى ولم يثبت ذلك كان إماما فى الفقه والحديث واللغة
أخذ الفقه عن أبى بكر القفال الشاشى وأبى على بن أبى هريرة
وسمع الحديث من أبى سعيد بن الأعرابى بمكة وأبى بكر بن داسة بالبصرة وإسماعيل الصفار ببغداد وأبى العباس الأصم بنيسابور وطبقتهم
روى عنه الشيخ أبو حامد الإسفراينى وأبو عبد الله الحاكم الحافظ وأبو نصر محمد بن أحمد بن سليمان البلخى الغزنوى وأبو مسعود الحسين بن محمد الكرابيسى وأبو عمرو محمد بن عبد الله الرزجاهى البسطامى وأبو ذر عبد ابن أحمد الهروى وأبو عبيد الهروى صاحب الغريبين وعبد الغافر بن محمد الفارسى وغيرهم
وذكره أبو منصور الثعالبى فى كتاب اليتيمة وسماه أحمد وهو غلط والصواب حمد
وذكره الإمام أبو المظفر بن السمعانى فى كتاب القواطع فى أصول الفقه عند الكلام على العلة والسبب والشرط وقال قد كان من العلم بمكان عظيم وهو إمام من أئمة السنة صالح للاقتداء به والإصدار عنه انتهى
ومن تصانيفه معالم السنن وهو شرح سنن أبى داود وله غريب الحديث و شرح الأسماء الحسنى وكتاب العزلة وكتاب الغنية عن الكلام وأهله وغير ذلك
توفى ببست فى ربيع الآخر سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة
ومن الفوائد والغرائب والأشعار عنه
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ إذنا خاصا أخبرنا أبو الحسين اليونينى وشهدة العامرية أخبرنا جعفر الهمدانى
ح وكتب إلى أحمد بن أبى طالب عن جعفر وغيره عن محمد بن عبد الهادى عن أبى طاهر السلفى قال جعفر سماعا قال سمعت أبا المحاسن الرويانى بالرى يقول سمعت أبا نصر البلخى بغزنة يقول سمعت أبا سليمان الخطابى يقول سمعت أبا سعيد ابن الأعرابى ونحن نسمع عليه هذا الكتاب يعنى كتاب السنن لأبى داود وأشار إلى النسخة التى بين يديه يقول لو أن رجلا لم يكن عنده من العلم إلا المصحف الذى فيه كتاب الله ثم هذا الكتاب لم يحتج معهما إلى شىء من العلم بتة
أخبرنا الحافظ أبو العباس بن المظفر بقراءتى عليه أخبرنا عبد الواسع بن عبد الكافى الأبهرى إجازة أخبرنا أبو الحسن محمد بن أبى جعفر بن على القرطبى سماعا أخبرنا
القاسم بن الحافظ ابن عساكر حدثنا عبد الجبار بن محمد بن أحمد الخوارى إجازة وحدثنا عنه أبى سماعا
ح قال ابن المظفر وأخبرنا يوسف بن محمد المصرى إجازة أخبرنا إبراهيم ابن بركات الخشوعى سماعا أخبرنا الحافظ أبو القاسم بن عساكر إجازة أخبرنا عبد الجبار الخوارى أنشدنا الشيخ الإمام أبو سعيد القشيرى أخبرنا الشيخ أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن عبدان الكرمانى أنشدنا أبو الحسن بن أبى عمر أنشدنى أبو سليمان الخطابى لنفسه
ارض للناس جميعا ** مثل ما ترضى لنفسك
إنما الناس جميعا ** كلهم أبناء جنسك
غير عدل أن توخى ** وحشة الناس بأنسك
فلهم نفس كنفسك ** ولهم حس كحسك
وبه إلى أبى الحسن بن أبى عمر وهو النوقانى قال سمعت أبا سليمان الخطابى يقول الغنى ما أغناك لا ما عناك
قال وسمعته يقول عش وحدك حتى تزور لحدك احفظ أسرارك وشد عليك أزرارك
ومن شعر الخطابى غير ما تقدم
وما غربة الإنسان فى شقة النوى ** ولكنها والله فى عدم الشكل
وإنى غريب بين بست وأهلها ** وإن كان فيها أسرتى وبها أهلى
ومنه
فسامح ولا تستوف حقك كله ** وأبق فلم يستوف قط كريم
ولا تغل فى شيء من الأمر واقتصد ** كلا طرفى قصد الأمور ذميم
ذكر الخطابى فى معالم السنن الحديث الذى رواه أبو داود وفيه أن رسول الله رد شهادة القانع لأهل البيت وأجازها لغيرهم واقتصر فيه على قوله ( القانع السائل والمستطعم وأصل القنوع السؤال ويقال فى القانع إنه المنقطع إلى القوم يخدمهم ويكون فى حوائجهم وذلك مثل الأجير والوكيل ونحوه )
ومعنى رد هذه الشهادة التهمة فى جر النفع إلى نفسه لأن القانع لأهل البيت ينتفع بما يصير إليهم من نفع إلى أن قال ومن رد شهادة القانع لأهل البيت بسبب جر المنفعة فقياس قوله أن يرد شهادة الزوج لزوجته لأن ما بينهما من التهمة فى جر النفع أكثر وإلى هذا ذهب أبو حنيفة انتهى
وقد تبعه جماعة من الأصحاب منهم القاضى الحسين فقال فى تعليقته ما نصه فرع شهادة القانع لأهل البيت لا تقبل وهو الذى انقطع فى مكاسبه والتجأ إلى أهل بيت يؤاكلهم ويرمى عن قوسهم فلا تقبل شهادته لهم لما فيه ولما هو عليه من سقوط المروءة
قال القاضى رحمه الله ولو كانت الزوجة بهذه الصفة أقول لا تقبل شهادتها انتهى
وصاحب البحر الرويانى اتبع الخطابى فى كلامه هذا
والحديث ذكره من أصحابنا زكريا الساجى والماوردى ولم يشبعوا عليه كلاما
والرويانى اقتصر فيه على كلام الخطابى وقال فى شهادة أحد الزوجين للآخر الصحيح عندى أنها لا تقبل ففيها تهمة قوية خاصة فى زماننا قال وقال أبو سليمان الخطابى إنه القياس على القانع الذى ورد به النص
قلت ومسألة القانع مع ورود حديث فيها لم أجد من أشبعها قولا وقليل من خصها بالذكر ولم أرها فى شيء من كتب الرافعى والنووى وابن الرفعة من خصها بالذكر ولم أرها فى شيء من كتب الرافعى والنووى وابن الرفعة بل لا أحفظها مقصودة بالذكر فى غير تعليقة القاضى ومن بعده ممن سأذكره
والذى أقوله فيها إن الحديث إن صح وكان معناه ما ذكر فلا مدفع له وواجب الرجوع إليه غير أنه لا يكاد يثبت ولفظه مضطرب ومعناه مختلف فيه
أما توقفنا فى ثبوته فمن قبل أنه من حديث محمد بن راشد وفيه كلام عن سليمان بن موسى الدمشقى وفيه أيضا كلام قال البخارى عنده مناكير عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده
وأما اضطراب لفظه فلفظ أحمد لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا ذى غمر على أخيه ولا شهادة القانع لأهل البيت والقانع الذى ينفق عليه أهل البيت
ولفظ أبى داود رد شهادة الخائن والخائنة وذى الغمر على أخيه ورد شهادة القانع لأهل البيت وأجازها لغيرهم
وفى لفظ آخر عنده لم يذكر القانع بالكلية
ورواه الدارقطنى من حديث عائشة ولفظه ولا القانع من أهل البيت لهم
رواه من حديث يزيد بن أبى زياد وقال يزيد بن أبى زياد هذا لا يحتج به
قلت وذكر ابن أبى حاتم فى العلل أن أبا زرعة الرازى قال إنه حديث منكر
وأما الاختلاف فى معناه فما ذكره الخطابى اعتمد فيه على قول أبى عبيد القانع السائل والمستطعم وقال أيضا قد يقال إنه المنقطع إلى القوم يخدمهم ويكون فى حوائجهم
قلت ولعل هذا أشبه بمعنى الحديث وقد تقدم فى بعض ألفاظه ما يؤيده ومع هذا الاضطراب يقف الاحتجاج به
وأما شهادة أحد الزوجين للآخر وقياس أبى سليمان لها على القانع فموضع نظر وأوضح منه ما ذكره القاضى من قياس الزوجة على القانع لا القانع فإن الزوجة هى التى تستجر النفع بمال زوجها ومن أجل ذلك حكى بعض الأصحاب قولا إن شهادتها له ترد بخلاف شهادته لها غير أنه ضعيف وبعيد الشبه من القانع فإنها إنما تأخذ النفقة عوضا فلا يقع بها من التهمة ما يقع للقانع ولا يحملها على ما يحمله
والرافعى لم يذكر القانع لا مقصودا ولا مستطردا وحكى فى شهادة أحد الزوجين للآخر ثلاثة أقوال أصحها عنده وعند النووى القبول
قال وفى التهذيب طريقة قاطعة به وثالثها قبول الزوج دون الزوجة
ولم يزد الرافعى على ذلك
وفى المسألة وجه رابع أن شهادتها تقبل له إن كان موسرا وإن كان معسرا فوجهان
وخامس أنها ترد فيما إذا شهدت بمال هو قدر قوتها ذلك اليوم ولا مال للزوج غيره لعود النفع إليها يقينا وتقبل فى غير هذه الحالة لأنه لا يتحقق عود النفع إليها
حكاهما القاضى شريح فى كتاب أدب القضاء وجزم فيمن انقطع إلى كنف رجل يراعيه وينفق عليه أنه لا يمتنع بذلك قبول شهادته
قلت وهذا هو القانع بعينه وإن لم يصرح بلفظه ففيه مخالفة لما جزم به القاضى من الرد وما ذكره من القبول هو الذى لا تكاد تجد سواه فى أذهان الناس وهو الفقه الظاهر إن لم يثبت الحديث
حكى الخطابى فى معالم السنن عن أبى ثور أنه قال الجماعة فى الجمعة كسائر الصلوات
وهذا رد على دعوى ابن الرفعة أنه لا خلاف فى اشتراط الجماعة الجمعة بشرط أن يكون أبو ثور لا يرى وجوب الجماعة فى سائر الصلوات وإلا فمتى رأى ذلك لم يكن فيه دليل إلا على أنه يكفى فيها إمام ومأموم فلم ينف عنها أصل الجماعة
ذهب الخطابى إلى أن أكل الثوم والبصل ليس عذرا فى ترك الجمعة
قال النووى فى كلام الخطابى إشارة إلى تحريم البول فى الطريق وهو الذى ينبغى لحديث اتقوا اللعانين ولما فيه من إيذاء المسلمين ولكن الأصحاب متفقون على أن كراهيته كراهية تنزيه
كره الخطابى للمرأة لبس خاتم الفضة لأنه من شعار الرجال قال بخلاف خاتم الذهب
ومن كلام الخطابى فى حديث ابن عباس الذى أخرجه أبو داود قضى رسول الله فى دية المكاتب يقتل فيودى ما أدى من كتابته دية الحر وما بقى دية المملوك
كذا أخرجه أبو داود ورواه النسائى مرسلا
قال الخطابى أجمع عامة الفقهاء أن المكاتب عبد ما بقى عليه درهم فى جنايته والجناية عليه
ولم يذهب إلى العمل بهذا الحديث أحد فيما بلغنا إلا إبراهيم النخعى وروى فى ذلك شيء عن على كرم الله وجهه وإذا صح الحديث وجب العمل به إذا لم يكن منسوخا ولا معارضا بما هو أولى منه انتهى
قلت وقد حكى هذا القول عن الإمام أحمد بن حنبل رضى الله عنه
استحسن ابن السمعانى أبو المظفر فى كتاب القواطع قول الخطابى ليس كل سبب علة ولكن كل علة سبب كما أنه ليس كل دليل علة ولكن كل علة دليل ووصفه بما ذكرناه عنه آنفا من المدح
وهذا الكلام حسن فى بادئ الرأى للتفرقة بين العلة والسبب إلا أن فيه تسمحا فإن العلة ما به الشيء والسبب ما عنده الشيء لا به فهما قسمان ليس أحدهما أعم من الآخر فلا يصح هذا الكلام وهذا لا يقبل من الخطابى وإن علا شأنه فى العلوم التى يدريها غير الكلام فليس هو من صناعته
وقد تكلمنا عن السبب والعلة كلاما مبسوطا فى كتاب الأشباه والنظائر وفى كتاب منع الموانع على لسان أصحاب هذه العلوم
قال الخطابى فى كتابه تفسير اللغة التى فى مختصر المزنى فى باب الشفعة بلغنى عن إبراهيم بن السرى الزجاج النحوى إنه كان يذهب إلى أن الصاد تبدل سينا مع الحروف كلها لقرب مخرجهما فحضر يوما عند على ابن عيسى فتذاكرا هذه المسألة واختلفا فيها وثبت الزجاج على مقالته فلم يأت على ذلك إلا قليل من المدة فاحتاج الزجاج إلى كتاب إلى بعض العمال فى العناية فجاء إلى على بن عيسى الوزير ينتجز الكتاب فلما كتب على بن عيسى صدر الكتاب وانتهى إلى ذكره كتب وإبراهيم بن السرى من أخس إخوانى
فقال الرجل أيها الوزير الله الله فى أمرى فقال له على بن عيسى إنما أردت أخص وهذه لغتك فأنت أبصر فإن رجعت وإلا أنفذت الكتاب بما فيه فقال قد رجعت أيها الوزير فأصلح الحرف وطوى الكتاب